إشكالية الترجمة في النظر لمصطلح المثلية وموقف الإسلام منها
9 ساعات مضت
المقالات
81 زيارة
(مترجم)
خليل مصعب – باكستان
يلاحظ وجود تداول متكرر في الخطاب المعاصر، وخاصة في الأوساط الناطقة بالإنجليزية، لفكرة أنه يمكن للمرء أن يكون مسلمًا ومثليًا في الوقت نفسه، ما دام أنه يضبط شهواته. ويدعون بأن الإنسان لا يُلام على كونه وُلد مثليًا، لأن ذلك “خارج عن إرادته” كما يزعمون، لكنه يُحاسب على أفعاله وقراره في الاستجابة لرغباته. ويقولون إن المسلم المثلي مطالب بكبح رغباته وتجنب الوقوع في معصية العلاقات المثلية.
والمشكلة في هذا الطرح واضحة لمعظم المسلمين. فنحن نعلم من القرآن والسنة أن الله سبحانه وتعالى خلق جميع البشر على الفطرة. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فكيف يُقبل القول بأن الإنسان يولد مثليًا، أي في حالة تميل به نحو المعصية؟ وكيف يمكن التوفيق بين فكرة “الولادة على الفطرة” وفكرة “الولادة مفطورا على الحرام”؟
إن سبب هذا الإشكال المفهومي الذي وقع فيه بعض المسلمين اليوم، وهو تأثرهم باللغة الإنجليزية وما تحمله من مفاهيم ضمنية. وقد كتب عدد من الباحثين في الغرب عن تاريخ مصطلحات، منها “gay” و”queer” و”lesbian” و”homosexuality”، وكيف نشأت في السياق الغربي وأصبحت جزءًا من لغاته، أبرزها الإنجليزية. والحجة الأساسية هي أن الطريقة التي يفهم بها الغرب الجنس ليست شيئًا عالميًا أو أزليًا، بل هي نتاج سياق تاريخي وثقافي محدد.
في كتابه “الإسلام والتحرر”، يلخص البروفيسور جوزيف مسعد هذا النقاش بقوله إن “الجنس” فئة معرفية ووجودية مرتبطة بسياق تاريخي وثقافي معين، وليست بالضرورة عالمية. كما أن مفاهيم مثل “المثلية” و”الغيرية” تبلورت كتصنيفات طبية وقانونية ثم اجتماعية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. فالفكرة الأساسية هنا هي أن مصطلح “المثلية” يُستخدم للدلالة على تصور معين للإنسان وطبيعته، وهو أن الإنسان كائن تُشكّل رغباتُه هويتَه، أي أن ما يرغبه هو ما يحدد “من هو”. ويشير مسعد إلى أن هذا التصور ليس سهل النقل إلى سياقات غير غربية. كما يربط مسعد ذلك بمفهوم “العرق”، موضحًا أن المستعمرين الغربيين كانوا يصنفون الشعوب وفق تصوراتهم عن طبيعتها. وبذلك، فإن كون الشخص “مثليًا” في التصور الغربي يشبه كونه “أسود”، أي هوية ثابتة ملازمة للإنسان.
وهذا الربط بين الرغبة والهوية هو ما يدفع بعض المسلمين للقول بأن الإنسان قد “يولد مثليًا”. فإذا ظهرت عليه ميول مثلية، عُدَّ ذلك جزءًا من طبيعته التي لا يمكن تغييرها. ومن هنا تبرز ضرورة إعادة تقويم هذه المفاهيم من منظور إسلامي.
فالإسلام يقرر أن الإنسان يُولد على الفطرة، وأن من طبيعة هذه الفطرة أن يميل الرجل إلى المرأة والعكس. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. ومع ذلك، فإن الإنسان قد يُبتلى بالشهوات. فقد أُغري آدم عليه السلام من الشيطان فأكل من الشجرة. وقد تتحول المعصية إلى عادة، كمن يدمن الخمر أو المخدرات. لكن الوقوع في المعصية لا يعني أن ذلك جزء ثابت من طبيعة الإنسان لا يمكن تغييره. وهذا الفهم مهم لفهم لغة العلماء في الحضارة الإسلامية، حيث ركزوا على الفعل لا على “الهوية”. فاستُخدمت مصطلحات مثل “اللواط” و”السحاق”، ويُقال عن الفاعل “لوطي” أو “سحاقية”، دون أن يُفهم من ذلك أنه تعريف لهوية ثابتة. وهذا يشبه وصف من يشرب الخمر بأنه “شارب خمر” أو من يقتل بأنه “قاتل”، مع بقاء باب التوبة مفتوحًا. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾، وقد فُسّر “من قريب” بأنه قبل الموت.
ومن هذا المنطلق، قرر العلماء أن الميل لنفس الجنس انحراف عن الفطرة. وكان يُفهم أن بعض هذه الميول تنشأ بسبب التشبه أو الانجذاب إلى صفات أنثوية، كما في حالة الغلمان “الأمرد”. وقد قال الإمام النووي رحمه الله: “وكذلك يحرم على الرجل النظر إلى وجه الأمرد إذا كان حسن الصورة…” ثم بيّن أن ذلك لأنه يُشتهى كما تُشتهى المرأة، بل قد يكون أشد فتنة. ومن هنا يُلاحظ أن بعض مظاهر السلوك المثلي المعاصر، مثل تقليد الصفات الأنثوية، تُفهم ضمن هذا الإطار خروجًا من الفطرة.
وبالعودة إلى مسألة اللغة، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة وعي المسلمين بالمفاهيم التي تحملها اللغات الغربية، وعدم تبنيها دون وعي. بل ينبغي الرجوع إلى مفاهيم الإسلام ولغته في فهم الإنسان وطبيعته. فالنظر إلى الشخص على أنه “مثلي” بمعنى هوية ثابتة يتعارض مع الفهم الإسلامي للفطرة والهداية وإمكانية التوبة. قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. نسأل الله أن يوفقنا لفهم ديننا والعمل به.
1448-03-03