العدد 481 -

السنة الحادية والأربعون، صفر 1448هـ الموافق تموز 2026م

الطريقة العلمية وقصورها: من الاختزال التجريبي إلى النظام السببي – القصور المعرفي للطريقة العلمية التجريبية (1)

 

يوسف الساريسي – فلسطين

مقدمة:

لقد قامت الحضارة الغربية الحديثة، وخصوصاً في نموذجها الرأسمالي، على رؤية مادية تجريبية حاولت فهم الواقع من خلال تفكيكه إلى أجزاء صغيرة معزولة يمكن دراستها بصورة منفصلة. ومع أن هذا الأسلوب الاختزالي حقق نجاحاً إجرائياً باهراً في العلوم الطبيعية البسيطة لتسهيله عزل المتغيرات داخل المختبر، إلا أنه تحول تدريجياً من مجرد أداة مخبرية إلى منهج كلي في التفكير والبحث في الحياة والإنسان والمجتمع.

فأصبح الإنسان في الفكر الغربي يُنظر إليه بصفته فردا مستقلا منفصلا عن غيره، وأصبح المجتمع يعرَّف بأنه مجرد مجموعة أفراد فقط، دون اهتمام كافٍ بالعلاقات التي تربط بينهم من أفكار ومشاعر وأنظمة. ومع مرور الزمن أدّت هذه النظرة إلى انتشار الفردانية، وإلى ظهور كثير من المشكلات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية في الدول التي تطبق الأنظمة الرأسمالية، ذلك أن الواقع في حقيقته ليس مجرد أجزاء منفصلة بعضها عن بعضها، بل هو أنظمة مترابطة يؤثر بعضها في بعض ضمن بناء منظم ودقيق.

وقد وُجّهت انتقادات بالغة العمق للفكر الرأسمالي بسبب تركيزه على الفرد وإهماله للنظام الذي يربط الناس في المجتمع بعضهم ببعض. وكان من أبرز مَن شخّص هذه القضية الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله، حيث دلل في كتاب نظام الإسلام على أن المجتمع ليس مجرد مجموعة أفراد، بل إن المكوّن الأهم فيه هو العلاقات الدائمية التي تربط بين الناس، وهذه العلاقات تتكون من الأفكار والمشاعر والأنظمة. ولذلك لم يكن نقده للرأسمالية مجرد اعتراض سياسي أو اجتماعي، بل كان قائمًا على فهم أعمق لطبيعة المجتمع بوصفه نظامًا كليا مترابطًا لا يقبل الاختزال الفردي. ومن هنا رأى أن الإصلاح الحقيقي للمجتمع لا يتحقق فقط بإصلاح الأفراد بصورة فردية، وإنما بإصلاح العلاقات، وخصوصًا الأنظمة والأفكار التي تتحكم في حياة الناس.

ثم انتقد رحمه الله بشكل أعمق الأساس المعرفي للفكر المادي عموما بشقيه الرأسمالي والشيوعي، وناقش قصور الطريقة العلمية التجريبية في كتابه العظيم “التفكير”، وبيّن أن هذه الطريقة تصلح في دراسة المادة المحسوسة داخل المختبر، لكنها لا تصلح وحدها أساسًا عامًا لكل مجالات المعرفة. ولذلك دعا إلى اعتماد الطريقة العقلية في التفكير، باعتبارها المنهج المعياري الصحيح القادر على فهم الواقع وتفسيره والحكم عليه في مختلف مجالات الحياة، في كبريات مسائل الوجود والحياة؛ من العقيدة والفكر، إلى السياسة والاجتماع.

الطريقة العلمية والاختزال التجريبي:

شهدت الحضارة الرأسمالية الغربية الحديثة منذ القرن السابع عشر صعود المنهج التجريبي بالتزامن مع الثورة العلمية التي ارتبطت بأسماء مثل فرانسيس بيكون وإسحاق نيوتن ورينيه ديكارت. وقد اعتمد هذا المنهج على فكرة أساسية تقول إن فهم الظواهر المعقدة لا يكون بدراستها بوصفها كُلًّا، بل بتفكيكها إلى أجزاء أصغر يمكن عزلها وقياسها وإجراء التجارب عليها داخل المختبر. ومن هنا ظهر ما عرف فلسفيا بالاتجاه الاختزالي (Reductionism)، وهو الاتجاه الذي يرى أن فهم الكل يتحقق من خلال فهم أجزائه الأساسية والقوانين التي تحكم تفاعلها.

وكانت المدرسة التجريبية بحاجة إلى هذا الأسلوب الاختزالي بسبب طبيعة المنهج الذي تتبناه. فالمدرسة التجريبية، خاصة منذ بيكون وهيوم، أرادت أن تجعل المعرفة قائمة على الملاحظة الحسية والتجربة المباشرة، لكن الظواهر المعقدة يصعب إخضاعها للتجربة دفعة واحدة، لذلك كان لا بد من تبسيط الواقع قسريا وعزل بعض العوامل عن بعضها حتى يتمكن الباحث من معرفة تأثير كل عامل بصورة مستقلة. فالعالم داخل المختبر يقوم عادة بالتحكم في بعض المتغيرات، ويثبت بعضها الآخر، حتى يستطيع تحديد العلاقة بين سبب معيّن ونتيجة معيّنة، لذلك احتاجت التجريبية إلى “تفكيك” الواقع إلى وحدات أبسط يمكن عزلها وقياسها والتحكم فيها مخبريًا.

فالاختزال كان بالنسبة للمدرسة التجريبية أداة منهجية ضرورية لتحويل الواقع المعقد إلى عناصر قابلة للفحص التجريبي. ولهذا السبب ارتبط الاختزال بالعلم التجريبي الحديث ارتباطًا قويًا؛ لأن المختبر بطبيعته يحتاج إلى تبسيط الظاهرة وإزالة العوامل المعقدة ودراسة عنصر محدد في شروط مضبوطة. ومن هنا أصبح تحليل الأشياء إلى أجزاء أصغر شرطًا عمليًا لإنتاج معرفة تجريبية دقيقة. فمثلًا عند دراسة احتراق مادة ما، يُعمَد إلى التحكم في كمية الأكسجين ودرجة الحرارة ونوع الوقود، لأن الهدف هو اكتشاف العلاقة السببية الدقيقة بين هذه العناصر. وبدون هذا التبسيط الاختزالي تصبح التجربة غير قابلة للضبط، ويصعب التمييز بين الأسباب الحقيقية والعوامل الثانوية.

وقد كان هذا المنهج من أسباب نجاح الثورة العلمية للحضارة الغربية، لأنه سمح بتحويل الطبيعة من واقع معقد ومتشابك إلى أنظمة قابلة للفحص والتجربة والقياس الرياضي. فبدل دراسة “الطبيعة” من حيث كُلّ غامض، أصبح العلماء يدرسون الحركة والقوة والحرارة والكهرباء والذرات كلا على حدة ضمن شروط مضبوطة، ما أدى إلى تطور الفيزياء والكيمياء والهندسة والتقنيات الحديثة. وقد حقق هذا المنهج نجاحًا هائلًا في دراسة الظواهر البسيطة نسبيًا، خصوصًا في الفيزياء الكلاسيكية، حيث أمكن تفسير كثير من الحركات والتفاعلات عبر صياغتها في قوانين رياضية دقيقة، حتى أصبح الاختزالأحد الأسس المركزية للعلم الحديث.

نظرية المعرفة المادية التجريبية:

في القرن الثامن عشر جاء ديفيد هيوم ليمنح المنهج التجريبي أساسًا معرفيًا أكثر جذرية، حيث قرر أن السببية ليست ضرورة واقعية ندركها في الأشياء، بل مجرد اقتران متكرر بين الظواهر تولّدت منه “عادة ذهنية” في العقل البشري. فالإنسان — بحسب هيوم — عندما يرى النار تحرق الخشب بصورة متكررة، فإنه يعتاد الربط بينهما، فتتكوّن في عقله فكرة أن النار هي سبب الاحتراق، لكن هذه العلاقة ليست — عنده — ضرورة حقيقية موجودة في الأشياء، بل مجرد عادة ذهنية نتجت من التكرار.

ثم تطورت هذه النزعة التشكيكية لاحقًا مع جون ستيوارت ميل ومع المدارس الوضعية والتجريبية الحديثة، التي أغلقت منافذ المعرفة خلف جدران الاستقراء والتجربة المباشرة، مقرِرة أن كل ما يقع خارج حدود التحقق الحسي هو لغو معرفي أو ميتافيزيقا لا يرجى منها يقين حقيقي.

ومع الثورة الصناعية وتطور العلوم الطبيعية، أصبحت هذه النظرة التجريبية هي السائدة في الفكر الغربي الحديث، وتحول المنهج التجريبي عند كثير من الفلاسفة والمفكرين إلى إيديولوجيا مادية كاملة أي مرجعية شبه مطلقة في تفسير الواقع واحتكار المعرفة. ونتيجة لذلك جرى التقليل من قيمة مجالات معرفية كثيرة لا تقوم على التجربة المباشرة، مثل الفلسفة والمنطق والبحث العقلي وقضايا الغيب والدين، بل إن بعض العلوم الإنسانية – منها علم النفس والاجتماع والتربية – أُقحمت قسراً في قوالب المحاكاة التجريبية الطبيعية، ما أدى إلى تجريد الإنسان من أبعاده المعنوية الغائية.

ومع مرور الزمن لم يبق المنهج التجريبي عند بعض الاتجاهات مجرد وسيلة نافعة لدراسة الطبيعة، بل تحوّل إلى فلسفة مادية كاملة تحاول حصر المعرفة فيما يُرى ويُقاس ويُجرَّب فقط. وأدى ذلك إلى تهميش دور العقل بوصفه أداة قادرة على الوصول إلى اليقين من خلال الاستدلال، وفتح الباب أمام انتشار الإلحاد واللاأدرية والعبثية، لأن كل ما لا يخضع للتجربة المباشرة أصبح عندهم موضع شك أو إنكار. وبذلك انتقل المنهج التجريبي من كونه أداة علمية مفيدة إلى محاولة لاحتكار تعريف المعرفة نفسها وتحديد ما يجوز للإنسان أن يؤمن به أو يرفضه.

تحدي علم الأنظمة لمنهج الاختزال التجريبي:

لكن التقدم العلمي نفسه بدأ لاحقًا يكشف أن المنهج الاختزالي، رغم نجاحه الكبير، ليس قادرًا على تفسير كل شيء. فمع تطور العلوم في القرن العشرين، وخصوصًا عند دراسة الأنظمة المعقدة مثل البيئة والاقتصاد والدماغ والحياة والشبكات، تبيّن أن معرفة الأجزاء الصغيرة وحدها لا تكفي للتنبؤ وفهم سلوك النظام بكلّيته. فالأنظمة المركبة تنتج خصائص جديدة كليًا تُعرف بـ “الخصائص الانبثاقية”. فقد يكون كل جزء مفهومًا بصورة منفصلة، ومع ذلك يبقى سلوك النظام الكامل غير مفهوم إلا إذا دُرست العلاقات التي تربط بين الأجزاء وطريقة تنظيمها وتأثيرها المتبادل.

فمثلًا، معرفة مكونات الدماغ كلٌ على حدة لا تكفي وحدها لفهم الوعي والعقل. ومعرفة الأفراد كلّ على حدة لا تكفي لفهم سلوك المجتمع، لأن العلاقات والتنظيم والتفاعل بين الأجزاء قد تنتج خصائص جديدة لا تظهر في العنصر المفرد وحده.

ومن هنا ظهرت في أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته اتجاهات فكرية جديدة، منها علم الأنظمة ونظرية الأنظمة العامة، ثم تطورت لاحقًا مع علوم التعقيد والذكاء الاصطناعي ونظرية الشبكات والسيبرانية. وقد أكدت هذه الاتجاهات أن الواقع لا يُفهم فقط من خلال تفكيكه إلى أجزاء صغيرة، بل كذلك عبر فهم البنية الكلية والتنظيم الداخلي وشبكات التأثير المتبادل داخل النظام، ومن خلال دراسة البنية والتنظيم والتغذية الراجعة والعلاقات الديناميكية التي تمنح النظام خصائصه الكلية.

وفي الوقت نفسه عاد النقاش الفلسفي حول السببية من جديد، وظهرت في الفلسفة المعاصرة أفكار تعارض تفسير ديفيد هيوم للسببية. فبدأ عدد من الفلاسفة يتحدثون عما يسمى بفلسفة القوى أو القدرات (Powers Ontology)، وهي الفكرة التي تقول إن الأشياء ليست مجرد أجسام صامتة تتحرك بصورة عشوائية، بل إن الأشياء تمتلك خصائص وقدرات حقيقية تمكّنها من التأثير والتفاعل. فالنار مثلًا تحرق بطبيعتها التي خلقها الله فيها، والماء يروي بطبيعته، والأشياء تمتلك خصائص حقيقية تجعل بينها علاقات سببية واقعية، وليست مجرد تكرار اعتاد العقل رؤيته.

وهكذا بدأ الفكر العلمي والفلسفي الحديث يعود تدريجيًا إلى الاعتراف بأن الواقع ليس مجرد أحداث منفصلة، بل أنظمة مترابطة تقوم على علاقات سببية حقيقية داخل بنية منظمة. ولكن هذا التطور لم يُلغِ أهمية التجربة أو المختبر، بل كشف حدودهما فقط. فالاختزال ما يزال أداة نافعة ومهمة لفهم العناصر البسيطة، لكن الأنظمة المعقدة تحتاج بالإضافة إلى ذلك إلى فهم العلاقات والتنظيم والبنية الكلية للنظام. ولذلك أصبح كثير من الباحثين اليوم يجمعون بين دراسة الأجزاء ودراسة النظام الكامل، وهو ما يكشف أن الواقع ليس مجرد مادة مبعثرة منفصلة، بل نظام مترابط يقوم على علاقات سببية دقيقة ومنظمة.

أثر علم الأنظمة على نظرية المعرفة الحديثة:

إن التطور الكبير في فهم الأنظمة المعقدة وتطبيقاتها العملية المثمرة كشف بوضوح أن المنهج الاختزالي قاصر ولا يكفي وحده لفهم الواقع بصورة كاملة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأنظمة التي تقوم على الترابط والتنظيم والتأثير المتبادل بين أجزائها. إلا أن الفكر الفلسفي الغربي المعاصر لم يملك الشجاعة المعرفية للقيام بمراجعة جذرية؛ بل تعامل مع علوم الأنظمة بوصفها أدوات عملية مجردة ومفيدة تقنياً، دون أن تعيد النظر بصورة حقيقية في نظرية المعرفة التي حصرت اليقين في حدود التجربة المباشرة فقط، وظل هذا الفكر أسيراً لنظرية المعرفة المادية التبعية التي تحرم العقل من سلطته المستقلة في إنتاج اليقين.

وكان من الواجب المنهجي أن يقود هذا التحول العلمي إلى إعادة الاعتبار لـ”الطريقة العقلية”، وإلى الاعتراف بأن الإنسان لا يصل إلى المعرفة فقط من خلال المشاهدة والتجربة، بل كذلك من خلال التفكير العقلي وتحليل العلاقات والأنظمة والضرورات السببية. فالأنظمة المعقدة نفسها أظهرت أن فهم الواقع لا يتحقق دائمًا بمجرد مراقبة الأجزاء الصغيرة، بل يحتاج أيضًا إلى فهم البنية الكلية والعلاقات التي تربط بين هذه الأجزاء.

لكن كثيرًا من الاتجاهات المعاصرة بقيت تنظر إلى العقل على أنه مجرد تابع للتجربة، لا أداة مستقلة قادرة على الوصول إلى اليقين الاستدلالي. ولذلك بقي المنهج التجريبي الاختزالي عندهم مهيمنًا على مفهوم المعرفة، رغم أن التطور العلمي نفسه كشف حدوده وقصوره في تفسير كثير من الظواهر المعقدة.

ومن هنا تظهر الحاجة إلى إعادة تحديد المجال الحقيقي للمنهج التجريبي، بحيث يُنظر إليه بصفته وسيلة مهمة ونافعة لدراسة الظواهر الطبيعية القابلة للتجربة والقياس، لا بصفة مرجعية وحيدة تحتكر المعرفة وتفسير الواقع كله. وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للعقل والطريقة العقلية في التفكير، بوصفهما قادرين على فهم العلاقات السببية والأنظمة المنظمة، والوصول إلى يقين استدلالي صحيح لا يعارض التجربة، بل يتكامل معها ويتجاوز حدودها عند الحاجة.

يتبع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *