العدد 481 -

السنة الحادية والأربعون، صفر 1448هـ الموافق تموز 2026م

موافقة العقيدة الإسلامية للفطرة

خليفة محمد- الأردن

 

قال تعالى:

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَاتَبْدِيل  َلِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[سورة الروم، 30].

جاءت هذه الآية الكريمة بعد ذكر كثير من آيات الله سبحانه وتعالى، منها إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، وإحياء الأرض بعد موتها، وخلْق الإنسان من تراب، وخلْق الأزواج للسكن إليها، وإيجاد المودة والرحمة بين الأزواج، وخلْق السموات والأرض، واختلافُ الألسنة والألوان، ونومُ الناس بالليل وابتغاؤهم من فضله في النهار، وأنّه تعالى يُرينا البرق خوفاً وطمعاً، وينزّل من السماء ماءً فيحيي الأرض بعد موتها، وقيام السماء والأرض بأمره، وقدرتُه سبحانه على إحيائنا بعد البعث، وأنّه سبحانه له ما في السماوات والأرض كل له قانتون، وأنّ سبحانه يبدأ الخلق ثم يُعيده؛ فجاءت هذه الآية الكريمة التي نتحدّث عنها مبدوءة بالفاء الفصيحة، التي تعطف ما بعدها على المضمون المفهوم من السياق السابق، والتقدير: إذا علمتَ قدرة الله سبحانه وعظمته في الآيات السابقة فأقم وجهك للدين حنيفاً، وفي هذا من البلاغة والإيجاز ما فيه، لاكتفائه سبحانه وتعالى بهذه الفاء الدالة على المحذوف المقدّر من سياق عدد من الآيات السابقة.

ثم جاء أمر الله سبحانه وتعالى لرسوله ﷺ بإقامة وجهه للدين حنيفاً، وخطاب الله سبحانه لرسوله ﷺ خطاب لأمته ما لم يدلّ دليل على اختصاص الرسول ﷺ به، وهنا لا دليل على تخصيصه ﷺ بالأمر، فيكون الأمر بإقامة الوجه للدين عامّاً، يشمل الرسول ﷺ وأمّتَه، ويؤكّد ذلك الآية التي بعدها مباشرة  ( مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[الروم، 31] حيث جاء الحالُ  ( مُنِيبِينَ)جمعاً، وجاء الأمران والنهي بعدهما للجماعة: ( وَاتَّقُوهُ)( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ )(وَلَا تَكُونُوا).

وإقامة الوجه المأمورُ بها تعني تقويم الوجه وتعديله إلى ما ينظر إليه غير ملتفت يمنة أو يسرة، وهو كناية عن التوجه الكامل والخالص للدين، وتكرر ذكر إقامة الوجه وتوجيهه في القرآن الكريم غير مرّة، كقول الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﷺ: ( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)[الأنعام، 79]، وكقوله سبحانه وتعالى: ( وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)[الأعراف، 29] وغيرهما.

و”الـ”المتصلة بـ”الدين”هي العهدية، أي الدين المعهود المأمور به من الله سبحانه وتعالى، أي دين الله الذي أنزله على رسوله ﷺ.

( حَنِيفًا)، الحَنَف: الميل، أي مائلاً عن الباطل إلى الحق. فلا يجتمع الحقُّ مع الباطل، ولا يجتمع الإيمانُ مع الكفر، لأنّ الإيمان بالله خالقاً مدبّراً يقتضي الكفر بغيره،(فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ)[البقرة، 265].

(فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)الفِطْرةُ من الفعل “فَطَرَ”ومعناه “خَلَقَ”، ومنه قوله سبحانه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[فاطر،1] أي: خالق السموات والأرض، وأضيفت الفطرة إلى لفظ الجلالة تعظيماً لكونها من آيات الله سبحانه وتعالى، ولذلك أقسم الله سبحانه وتعالى بالنفس المتضمِّنة لهذه الفطرة وتسويتِها على هذه الهيئة فقال عزّ من قائل:  ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)[الشمس،7-8]. ثمّ أكّد سبحانه وتعالى ذلك بوصف الفطرة بأنها التي فَطَرَ الناسَ عليها، واستخدم حرف الجر “على”الدالّ على الاستعلاء، وذلك لشدّة تمكّن هذه الفطرة من الناس فكأنها فوقهم مستعلية ومتمكّنة منهم.

وانتصبت بفعل محذوف تقديره: اتّبِعْ أو الزَمْ ما تقتضيه فطرتك التي فطرك الله عليها من إقامة وجهك لدين الله. ثم أكّد سبحانه وتعالى ثبات هذه الفطرة عند الناس واستمرارها وعدم تخلّفها بقوله سبحانه: ( لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)، فالناس من آدمَ عليه السلام وحتى آخر إنسان منهم على وجه الأرض مفطورون على هذه الفطرة التي لا تتخلّف، والفطرة هي الخِلْقة التي خُلِق الإنسان وجُبِلَ عليها من الإحساس بالعجز والنقص الطبيعيين، المقتضيين لتقديس الخالق وحده سبحانه وتعالى.

( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)اسم الإشارة “ذلك”لزيادة تمييز هذا الدين وتعظيمه، و”القيّم”وصف على وزن “فَيْعِل”مثل “هيّن”و”جيّد”، يُفيد هذا الوزن قوة الاتصاف بمصدره، وهو القيام الذي يطلَق مجازاً على عدم الاعوجاج، كقوله تعالى: ( وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّمًا)[الكهف، 1-2]، وقوله سبحانه: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)[التوبة، 36].

( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)استدراك لبيان حقيقة أكثر الناس من الكفار والمشركين الذين انشغلوا بدنياهم عن العلم المفضي إلى معرفة الدين الحقّ، وهذا موافق لوصف الأكثرية من الناس بعدم العلم وعدم الإيمان وعدم الشكر في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.

والمراد بلفظ “الفطرة”في هذا السياق هو ما وُضع في الإنسان من دوافع للسلوك، وتشمل الحاجات العضوية كالحاجة للأكل والشرب والنوم وغيرها، والغرائز الثلاث: التديّن والبقاء والنوع، بمظاهرها المتعددة، والمشاعر والميول المتعلقة بها، قال ﷺ: “كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه” (صحيح ابن حبان، وأخرجه البخاري ومسلم). وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: “إن الله عز وجل قال: وإنِّي خَلَقتُ عِبادي حُنَفاءَ كُلَّهُم، وإنَّهُم أتَتْهمُ الشَّياطينُ فاجتالَتْهم عن دينِهم، وحَرَّمَت عليهم ما أحلَلتُ لهم، وأمَرَتْهم أن يُشرِكوا بي ما لَم أُنزِلْ به سُلطانًا”، فالفطرة تتوافق مع الحنيفية السمحة، ومع إسلام الوجه لله سبحانه وتعالى، بمعنى إقرار ما في الإنسان من عجز ونقص طبيعيين، وضرورة تقديس الخالق المدبر سبحانه وحده، فالذي يوافق فطرةَ الإنسان هو أصل الاعتقاد، وهو توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبودية والتدبير، وهو الأصل المشترك في رسالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

والأحكام الشرعية جاءت لتنظيم إشباع مظاهر الحاجات العضوية والغرائز التنظيم الصحيح الذي يحقق الهناء للإنسان، فلا تطلق الإشباع ولا تكبته، بل قامت فلسفة الإسلام على مزج المادة بالروح، فيقوم الإنسان بأعماله المادّية ملتزماً فيها أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه فتتحقق عنده الناحية الروحية، حتى لو خالفت تلك الأحكام أهواءه وطباعه وميوله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *