من ينال شرف قطع حبل الناس عن كيان يهود؟
7 ساعات مضت
المقالات
12 زيارة
نبيل عبد الكريم
في ختام صراعٍ طويل، لا تزال ذاكرة المسلمين تحفظ آيةً محكمةً من سورة آل عمران، تقف شاهدًا على سنن الله في الأمم، حيث قال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ…}.
إن الآية لم تكن مجرد خبر عابر، بل هي قاعدة كونية تختزل معادلة الكرامة والهوان في أمرين: العهد مع الله، والعهد مع الناس؛ فإذا انقطع الحبلان عادت الذلة لتضرب في كل مكان.
وحبل الناسهو الحلف الإستراتيجي بينهم وبين الدول أو الأمم أو القوى والتحالفات السياسية والعسكرية، والدعم الخارجي الذي يوفر لهم الأمن والقوة التي لا يملكونها بأنفسهم.
أما لماذا حقت عليهم تلك الذلة؟ فيتضح ذلك من تمام الآية:{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}.
وإذا عدنا إلى العهود الغابرة نجد أنه في عهد النبيين داود وسليمان عليهما السلام كان لليهود دولة موحدة، وبعد وفاة سيدنا سليمان عليه السلام انقسمت مملكتهم إلى دولتين متحاربتين، وعاشتا فسادًا داخليًا وضعفًا عسكريًا. وكان من أسباب الانقسام الصراع على الحكم والسلطة، ووجود تقسيمات قبلية قوية داخل بني إسرائيل، وكانت النتيجة انقسام المملكة إلى مملكتين، ثم سقوط مملكة الشمال على يد الأشوريين سنة 722 قبل الميلاد، وسقوط المملكة الجنوبية على يد البابليين سنة 586 قبل الميلاد.
وفي حالنا اليوم، إذا أخذنا حبل الناس بمعنى الدعم والتحالف والحماية، فإنه لا ينقطع فجأة غالبًا، بل يمر بمراحل، منها:
أولًا: ضعف داخلي في الطرف المستفيد.
أي انقسام سياسي أو صراع داخلي وفساد إداري أو اقتصادي وفقدان للشرعية أو للاستقرار، وكل هذا يسمى ضعفًا داخليًا، ونُسقطه على كيان يهود اليوم كالتالي:
1- الانقسام السياسي الحاد
وخاصة في السنوات الأخيرة، حيث ظهر انقسام بين اليمين واليسار، وصراع حول هوية الدولة: دينية أم مدنية؟ وصاحبت ذلك أزمات متكررة في تشكيل الحكومات، ونتج من ذلك عدم استقرار سياسي متكرر وصعوبة في بناء توافق طويل الأمد. لذلك تحاول الحكومة اليوم بقيادة نتنياهو عدم الخروج من حالة الحرب حفاظًا على حكومته اليمينية وهو على رأسها.
2- أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع
حيث ظهرت احتجاجات واسعة على التعديلات القضائية، وتراجعت الثقة في النخب السياسية، ودار جدل واسع حول دور المحكمة العليا والسلطة التنفيذية. وهذا النوع من الانقسام خطير جدًا لأنه يمس شرعية النظام الداخلي.
3- الانقسام الاجتماعي (ديني وعلماني)
فالمجتمع اليهودي غير متجانس، ففيه العلماني والمتدين (الحريديم)، ومجموعات يهودية من أصول مختلفة (الأشكناز والسفارديم ويهود الدونمة… إلخ). وتدور الخلافات حول مسائل كثيرة منها: الخدمة العسكرية، والتعليم، وتوزيع الموارد، وشكل الدولة… إلخ.
4- التوتر العربي – اليهودي داخل الدولة
يوجد مواطنون عرب داخل كيان يهود، وتوجد بينهم وبين الدولة فجوات اقتصادية كبيرة، وتوترات سياسية، وقضايا هوية ومساواة.
5- الضغط الأمني المستمر
من وجهة نظر الدولة تأتي الضغوط من الصراع مع الفلسطينيين الذين لم ينسوا أنهم ملاك الأرض، وأن الله محاسبهم إن تخلوا عنها، إضافة إلى التوتر مع بعض دول الجوار، وقد يتمدد أكثر. ثمإن الحروب والمواجهات المتكررة تؤدي إلى استنزاف سياسي داخلي وانقسام حول أولويات الأمن مقابل الاقتصاد والحريات.
6- التحدي الديموغرافي
إذ تتزايد نسبة النمو لدى المجموعات الدينية المختلفة، مما قد يحدث اختلالًا في التوازن بين الطابع اليهودي والطابع الديمقراطي للدولة.
7- الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية
إن أي اضطرابات سياسية كبيرة تنعكس بسرعة على الاقتصاد والاستثمار، كما أن كلفة الناحية العسكرية مرتفعة جدًا، وعدم الاستقرار السياسي والأمني يضعف الاستقرار التكنولوجي ويقلل من التصدير، ما يضعف الاقتصاد بشكل عام.
ثانيًا: تغير مصالح الطرف الداعم
فالتحالفات ليست ثابتة، والدولة تدعم ما يخدم مصالحها فقط، وإذا تغيرت المصلحة يبدأ التراجع.
وبإسقاط ذلك على كيان يهود اليوم نجد أن هناك عنصرين أساسيين يحافظان على وجود هذا الكيان: الدعم الغربي، وخاصة الدعم الأمريكي غير المحدود، والثاني غياب تحرك المسلمين.
ونبدأ بالشق الأول، وهو الدعم الغربي والأمريكي غير المحدود، ونرجئ الحديث عن الشق الثاني إلى آخر المقال.
فمنذ السابع من أكتوبر نلحظ تغيرًا يطرأ على طبيعة العلاقة بين ترامب ونتنياهو، وبالطبع لن ينهي ذلك الدعم الأمريكي للاحتلال، ولن يؤثر في إستراتيجية العلاقة بينهما، لكنه قد يمنح مساحة لتعميق الخلاف، خاصة مع حالة الشعبوية المتنامية، وتزايد التعاطف الشعبي الأمريكي مع القضية الفلسطينية.وقد أصبح هذا الضغط الشعبي المتزايد يضغط على الحكومات، وهي تخشى انعكاس الحراك الجماهيري على مستقبل الأحزاب والحكومات.
ودون تفاؤل مفرط، فإن واقع الكيان يشير إلى أنه يخسر الشعبية الغربية التي كان يستند إليها في دعمه السياسي والاقتصادي، ومن أحدث هذا التباين الثبات العظيم للشعب الفلسطيني. فهذا الصمود العجيب أسهم في إبطال دعوى الاحتلال بأنه صاحب هذه الأرض، بل أصبح صمود أهل فلسطين، وهم يُقتلون ويُعتقلون ويُشرَّدون ويُجوَّعون… إلخ، بحكم الصك الذي يثبت ملكيتهم لهذه الأرض المباركة؛ إذ إن المرء لا يقابل هذا الإجرام بهذه البسالة إلا بحق يملكه.
ثالثًا: انهيار الثقة أو الكلفة العالية
إذ يصبح الدعم مكلفًا أكثر من فائدته، أو يسبب ضغطًا داخليًا على الدولة الداعمة. ولا نقصد فقط الكلفة المالية، بل تشمل أيضًا الكلفة العسكرية والأمنية والسياسية والدبلوماسية، إضافة إلى كلفة الداخل، أي الرأي العام والانقسام المجتمعي.
إن المساعدات العسكرية لكيان يهود سنوية وثابتة في إطار اتفاق طويل الأمد، وتشمل تمويل الأنظمة الدفاعية للكيان مثل القبة الحديدية، ودعم مخزون الأسلحة والتقنيات. كما تتحدث التقارير عن عشرات المليارات من الدولارات على مدى سنوات طويلة، ويعود جزء كبير منها إلى شركات السلاح الأمريكية.
كما أن التحالف مع هذا الكيان يخلق التزامات مكلفة، مثل الدعم اللوجستي في أي أزمة إقليمية، وإرسال حاملات الطائرات أو قوات الردع. واليوم أصبحت الكلفة كبيرة جدًا مع إدارة أزمة الشرق الأوسط منذ السابع من أكتوبر حتى اللحظة، حيث ارتفعت كلفة الانتشار العسكري الأمريكي، ما يزيد من الإنفاق العسكري الأمريكي.ولا ننسى الكلفة السياسية والدبلوماسية التي تُفقد الولايات المتحدة مرونة في سياساتها الخارجية، حيث تجد نفسها غالبًا في موقف الدفاع عن كيان يهود في المحافل الدولية.
والنقطة الأكثر أهمية هي الكلفة الداخلية في أمريكا وأوروبا.ففي الولايات المتحدة الأمريكية يوجد انقسام واضح؛ تيار يرى أن دعم الكيان جزء من الأمن القومي، وتيار آخر أخذ بالتزايد يرى أن هذا الدعم مكلف وغير متوازن، ويظهر هذا التيار في الجامعات والإعلام وبعض التيارات السياسية، خصوصًا بين الشباب.
أما أوروبا، فهناك احتجاجات متكررة في مدن أوروبية كبرى تنتقد سياسات الكيان وتطالب حكوماتها رسميًا بوقف هذا الدعم.
وهنا نلفت النظر إلى نقطة مهمة حول الضغط الداخلي؛ فهو ليس ضغطًا لإسقاط الدعم، بل هو ضغط لإعادة تعريفه: كيف؟ وكم؟ وبأي شروط؟ أي إن النقاش داخل الغرب ليس حول الوجود أو عدمه، بل حول شكل العلاقة وحدودها.
ولن نغفل ما يستثمره الغرب من وجود هذا الكيان المسخ؛ فهو بالنسبة لهم حليف قوي في منطقة قد تخرج من رحمها دولة الإسلام. فوجود هذا الكيان، رغم ما يكلفه، يعد صمام الأمان الأول والشريك العسكري المتقدم بتفوقه الاستخباراتي والتكنولوجي في هذه المنطقة.
وهذا الدعم دعم مالي وعسكري وسياسي واضح، لكنه ليس أحادي الجانب، فهناك مصالح متبادلة. وأكبر كلفة حاليًا ليست المال، بل الانقسام الداخلي في المجتمع الغربي حول طبيعة هذا الدعم، وهذا الانقسام لا يعني تغييرًا فوريًا في السياسة، لكنه يمثل ضغطًا تراكميًا على المدى المتوسط والطويل.
وبالعودة إلى ما تركناه إلى آخر المقال؛غياب تحرك المسلمين
بعد زرع الكيان الشيطاني في فلسطين، ليَفصل دول التركة التي خلفتها دولة الخلافة العثمانية الموجودة في آسيا عما هو موجود في أفريقيا، ويحول دون وحدتها، لم يجدوا أخبث ولا أوسخ من هذا الكيان.ومع تفرق كلمة المسلمين وتشتت أمرهم، وخلق الأزمات لهم لإشعال النزاع والشقاق والحروب، انفرط عقد المسلمين وخضعوا لحضارة مادية، فصالوا وجالوا في أوطاننا حتى فقدنا أوطاننا ومواردنا وعزنا، وأصبحنا نحكم بقوانين وضعية تخالف ديننا.
ولم نعد للعالم كما كنا سابقًا؛ نبسط الرحمة، وننشر العلم والهدى، وننصر المظلوم، ونحمل الضعيف… إلخ.فغاب المسلمون في دولهم القومية والوطنية، وأصبحت روابطهم مصلحية، ولم يبق من الدين سوى العبادات التي سُمح لنا بممارستها. وكان الغزو التبشيري والاختراق الفكري والبعد عن الدين، حتى أصبح من يحكمنا اليوم هو الحامي الحقيقي لهذا الكيان، الذي ما فتئ ينشر الرذيلة ومخالفة الدين، وينتج رجالًا من المشايخ الذين حرفوا الدين وكانوا أعوانًا للسلاطين، فأبعدوا العباد عن رب العباد، إلا من رحم ربي.
ورغم ما تمتلكه بلاد المسلمين من ثروات بشرية وموقع جغرافي مهم وقوة كبيرة، إلا أن حضورها في النظام الدولي يكاد يكون معدومًا ولا يمثل حجمها الحقيقي.
وهذه المفارقة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة عمل دؤوب من التدخلات الغربية منذ هدم الخلافة حتى اليوم، ما جعل هذه القوة غير مفعلة في أعين أصحابها، وأصبح منطق الدولة القطرية هو المسيطر، فكل شيء يدار بشكل منفصل وتابع: الأمن والاقتصاد والسياسة.
ثمإن التدخلات الخارجية رسمت حدود الدم، فنشأت الحروب الأهلية والنزاعات الإقليمية والحروب بالوكالة، والأهم من ذلك إيجاد حكومات وحكام تابعين لهم بالكامل.
فإن ضعف التأثير الإستراتيجي العربي والإسلامي لا يعود إلى نقص في الموارد أو الإمكانيات أو القوة، بل إلى استمرار هيمنة الحكام الخونة، فإذا سقطوا سقط ظلهم، وهو هذا الكيان الذي يسعى اليوم إلى التمدد على حساب ضعف دول المنطقة وخيانة هؤلاء الحكام.
والسؤال اليوم: من ينال شرف قطع حبل الناس؟
إن الحل هو بالعودة إلى ما كنا عليه يوم كانت لنا دولة وخليفة يهز أركان العالم.
نعم، الحل هو بالعودة إلى ديننا الذي فيه عزنا.
وبمجرد قيام الدولة الإسلامية سوف تتقطع حبال بني إسرائيل، وليعودوا إلى الذل والمسكنة، لأن دول العالم مع ظهور مارد الإسلام سوف تتغير حساباتها، ناهيك عن أن ظهور الدولة الإسلامية يعني سقوط عروش الخونة، وبذلك الزوال يزول ظلهم، ألا وهو كيان يهود.
فإن من أول أعمال الدولة تحرير بيت المقدس وطرد كيان يهود ومحاسبته وتقويض بنيانه، مصداقًا لقول الله عز وجل: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا}.
إن الحل الحقيقي هو بالعودة إلى مبدأ الإسلام ووضعه موضع التطبيق، أي بقيام دولته؛ دولة الخلافة الراشدة التي يقودها الخليفة، يرعى بها شؤون الأمة ويحمي بيضتها ويقاتَل من ورائه، ويعيد إلى هذه الدولة مفهوم الأمة، ويطرد ويحاسب كل من تطاول على دماء المسلمين وأوطانهم ومواردهم وأهانهم، ويعيد عقد المسلمين إلى أصله، ونخضع لحضارة ربانية بتطبيق شرع الله على الوجه الذي أمرنا به.
وهذا كله لا يكون بالدعاء فقط، بل بالعمل، والعمل الدؤوب المركّز الواضح، لاستئناف الحياة الإسلامية.
والحمد لله أن هناك حزبًا (حزب التحرير) يعمل كما عمل رسولنا الكريم ﷺ لإقامة دولة الإسلام الأولى، وأن هذا الحزب أعد كل ما يلزم لانطلاقته الأولى من منهج مستمد من الكتاب والسنة، ومن رجال عاشوا على هذا المنهج وتبنوا هذا المشروع في حياتهم حتى أصبحوا رجال دولة من الطراز الرفيع، وفهموا الإسلام فهمًا صحيحًا جامعًا وواضحًا.
فيا أهل الإسلام، إن الحل الجذري يكمن في إقامة دولة الإسلام التي تطبق مبدأ الإسلام تطبيقًا عمليًا في جميع نواحي الحياة، وهو القادر على جمع شتات الأمة، وإعادة هيبتها، وإعادة الدولة إلى حجمها الحقيقي ودورها الحقيقي في قيادة العالم إلى بر الأمان، وعدل الإسلام، ونشر نوره في أصقاع المعمورة.
فهُبُّوا إلى عز الدنيا ورضا ربها، وكونوا للعاملين عليها سندًا وعونًا، حتى يأذن الله لنا بالنصر وعودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، والتي سوف يعم نورها العالم كله.
عن تميم الداري رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله ﷺ يقول:«لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ».
1448-01-28