المقاصدية: هل هي منهج لإنشاء شريعة جديدة؟
5 ساعات مضت
كلمات الأعداد
33 زيارة
أحمد القصص
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
إنّ كثيرا من الذين يريدون اليوم التفلّت من أدلّة الشريعة التفصيلية المنصوصة في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺوما أرشداإليه من الإجماع والقياس، ويريدون استحداث تشريعات جديدة، بل واقتباس التشريعات من المشرّعين الوضّاعين، ولا سيّما شرائع الغرب، ومن ثَمّ إلباسها لبوس الإسلام، عمدوا إلى توسّل عنوان “مقاصد الشريعة” زورًا وبهتانًا، زاعمين أنّهم ينشئون أحكامهم وفقًا لمقاصد الشرع، فأحكامهم هذه بالتالي أحكام شرعية على زعمهم. ومن يتابع ويراقب يجد أنّ معظم الذين اشتهروا في هذا الزمان بالفتاوى المنحرفة وبتحريف شرع الله سبحانه وتعالى وبقبول التشريعات والقوانين الوضعية هم مِن الذين رفعوا لواء “مقاصد الشريعة” وجعلوها مدخلًا لهم،بافتراء مبين على مقاصد الشريعة. من هنا كانت أهمّية الإضاءة على مسألة “مقاصد الشريعة”، من حيث مضمونها ونشأتها ووظيفتها.
اتّفاق علماء الأمّة على أنّ الشريعة شُرعت لمصلحة العباد
اتّفق العلماء على أنّ الشريعة الإسلامية إنّما جاءت لتحقيق مصالح العباد. فلا خلاف بين أهل الإسلام على أنّ الشريعة الإسلامية إن فُهمت حقّ الفهم والتُزمت بقوّة وأقيمت على وجهها الصحيحفإنّها سوف تؤول إلى مصالح العباد، في هذه الدنيا فضلًا عن الفوز بالآخرة لمن اتّبع شرع الله تعالى. قال تعالى: {وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين}، ولا تكتمل معاني الرحمة إلّا بأن تكون هذه الشريعة لمصلحة العباد في هذه الدنيا. وكذلك قوله تعالى: {وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلّا خسارا}، إلى غيرهما من الآيات والأحاديث المتضافرة عن رسول الله ﷺ التي تؤكّد أنّ التزام شرع الله سبحانه وتعالى وإقامته إنّما هما لمصلحة العباد في هذه الدنيا وفي الآخرة. وفي المقابل فإنّ مَن أعرضَ عن شرع الله واعتمد غيره فإنّ مآله إلى التعاسة والشقاء، قال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى}.
منهج السلف في استمداد الأحكام
لقد أيقن الرعيل الأوّل من المسلمين، من الصحابة ثمّ التابعين فتابعي التابعين،أنّهم إن التزموا شرع الله تعالى فإنّه سيكون رحمة بهم في هذه الدنيا، فضلًا عن الفوز في الآخرة. ومع ذلك إذا عدنا إلى السلف الأوّل من صدر الإسلام، في القرن الأوّل ثمّ الثاني ثمّ الثالث وحتّى الرابع والخامس،سنجد أنّ العلماء، ولا سيّماالفقهاء المجتهدون -هؤلاء الذين تكفّلوا بإبراز أحكام الشريعة للناس من أجل أن يعملوا بها ويطبّقوها في حياتهم، وعلى الرغم من قناعتهم بأنّ الشريعة إنّما أتت لمصالح العباد فإنهم لم يلتفتوا إلى تحرّي هذه المصالح ولا تعدادها ولا تقصّيها ولا تفنيدها ولا ترتيبها ولا تبويبها. فقد كانت عنايتهم منصرفة إلى تحديد مصادر التشريع، وقد اتّفقوا على الكتاب والسنّة مَصدرَين للتشريع، واتّفق جمهورهم على اعتماد إجماع الصحابة دليلًا على الأحكام الشرعية، لا من حيث إنّ الصحابةرضي الله عنهم مشرّعون،وإنّما من حيث إنّ إجماعهم يكشف دليلًا شرعيًا خفي عنّا من سنّة رسول الله ﷺ. وكذلك اتّفق الجمهور على الاستدلال بالقياس، وهذا القياس ليس دليلًا مضاهيًا للكتاب والسنّة،وإنّما هو أيضًا يعبّر عن الوحي الذي احتواه كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ﷺ. فالقياس ليس قياسًا عقليًا، وإنّما هو قياس شرعي يدور حول العلّة الشرعية التي وردت بها الأدلّة الشرعية في الكتاب والسنّة وإجماع الصحابة، وبالتالي فإنّالاستدلالبإجماع الصحابة وبالقياسهو في المحصّلة استدلالبالكتاب والسنّة، فيكون الكتاب والسنّة المصدرين الأساسيين والحصريين للتشريع. وحتّى لو قلنا إنّ أدلّة التشريع هي الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس، وحتّى لو أضفنا إليها ما اختلف فيه العلماء منأدلّة أخرى للتشريع، فإنّ هذه الأدلّة الإضافية يُرجعها العلماء القائلون بهاجميعهاإلى كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ، سواء من قال بالاستصلاح،أو بالاستحسان،أو بشرع من قبلنا ما لم يرد له ناسخ في شريعتنا،أو من قال بإجماع أهل المدينة،أو من قال بالاستصحاب…إلى آخره. فلو دقّقنا في هذه الأدلّة التي قال بها طائفة من العلماء على اختلافهم سنجد أنّها جميعًا تؤول إلى الاستدلال بالكتاب والسنّة بشكل من الأشكال. فكانت عنايتهم منصبّة على تحرّي الأدلّة الشرعية وعلى تحرّي القواعد التي يُتوسّل بها لاستمداد الأحكام الشرعية من كتاب الله تعالى ومن سنّة رسولهﷺوما أرشداإليه، وبالتالي فإنّ ما كان يُهمّهم هوأن يستمدّوا هذه الأحكام من أجلالعمل بها، ومن أجل أن تنشأ بها حياة إسلامية.
تَحقّق المقاصد بالتبعية لا بالقصد المسبق
وبالنظر في المذاهب الكبرى في الإسلام التي نشأت ما بين القرنين الثاني والثالث الهجريين، والتي ما زال أبرزها معتمدًا حتّى يومنا هذا، فإنّ هذه المذاهب لم تُعنَ البتّةفي نشأتها الأولى وعلى مدى ما يقرب من ثلاثة قرون لاحقة بشيء اسمه مقاصد الشريعة، ولم تفنّدها ولم تلتفت إليها. ولكنّهمعمليًا حين أحسنوا استخراجالأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة والتزمها المسلمون في حياتهم وعلاقاتهم أفضى جهدهم العظيم إلى نشوء الحياة الإسلامية، وبالتالي تحقّقت في المجتمع الإسلامي مقاصد الشريعة من حيث يدرون أو لا يدرون، أو من حيث يقصدون أو لا يقصدون، ومن حيث يرقبونها أو لا يرقبون. فهم بمجرّد تطبيقهم لأحكام شرع الله تعالى وتسيير أعمالهم بها وصياغة حياتهم بها، قد حقّقوا فيهم مقاصد الشريعة الإسلامية، لأنّ هذه المقاصد إنّما تنجم من التزام شرع الله سبحانه وتعالى.
هذا الكلام الذي أوردناه ينتصب دليلًا على أنّ مقاصد الشريعة ليست مصادر للأحكام الشرعية، وليست أسسًا لهاولاأدلّة عليها. وإنّما الأدلّة على الأحكام الشرعية هي الأدلّة التفصيلية من كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ. فالمَعين الصافي الذي نبعت منه تلك الأحكام إنّما هو الكتاب والسنّة،ولذلك سمّى الله ﷻالشريعة الإسلامية شريعة: {ثمّ جعلناك على شريعة من الأمر فاتّبعها ولا تتّبع أهواء الذين لا يعلمون}. فأصل الشريعة في اللّغة هو الشيء المفتوح وله امتداد، ويُطلق على مَورد الماء الذي يأتيه النّاس للشرب، ومنه جاء لفظ الشِّرعة في الدين والشريعة، ويُشترط في الماء عند العرب حتّى يكون شريعة أن يكون جاريًا لا انقطاع فيه. كما تُطلق الشريعة ويُراد بها الطريقة المستقيمة، وعليه فإنّ الشريعة في الأصل مورد الماء للشُّرب والاستخدام، والشَّرع هو الطريق الموصل إليها، وقال ابن الأعرابي والأزهري: شَرَعَ أي أظهرَ ووضّح وبيّن، وقال الطبري والقرطبي وابن كثير: إنّ الشريعة في اللّغة هي الطريق الأعظم، ومن سنّ أمرًا وأوضحه وبيّنه فقد شرعه.
ويجدر بنا التنبّه إلىأنّأرقى مستوى من النتاج الفقهي، ذلك البنيان الرائع للتشريعالإسلامي، إنّما كان ما بين القرنين الثاني والثالث، وإن استمرّ بعد ذلك في النموّ مع تمادي الزمان، لأنّ القضايا تستجدّ، والنوازل تتوالى،فكان الفقهاء المجتهدون يستنبطون لها أحكامًا أو ينزّلونالأحكام التي سبق استنباطها عليها إن كانت مناطًا لها. فالفقه الإسلامي متوسّع بطبيعة الحال باستجداد القضايا والمسائل التي تتطلّبأحكامًا شرعية. وسعة الفقه الإسلامي شيء وما يسمّى بتطوّر الفقه أو مرونته أو تغيّره شيء آخر. فالفقه الإسلامي بطبيعته واسع، ولكنّه ليس متغيّرًا ولا متطوّرًا كتطوّر التشريعات الوضعية البشرية، كما يزعم كثير من المتطفّلين على الفقه في يومنا هذا. لذا يبقى البنيان الأعظم الأوّل والرائع والمثالي للفقه الإسلامي هو الفقه الذي أبرزه مؤسّسوالمذاهب، كالشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم ممّن لم تنقل لنا مذاهبهم مكتملة كالأوزاعي والثوريوكثير من علماء ذلك الزمان، والذين على نهجهم سار من توسّع في الفقه وأصوله في القرون التالية. ففي زمان هؤلاء كان ذلك الصرح الرائع والعظيم للفقه الإسلامي وأصوله، وهو صرح خلا البتّة من باب مقاصد الشريعة. ولا يفهمنّ أحد من كلامي هذا أنّني أوافق خطيئة إغلاق باب الاجتهاد التي اعتمدها لاحقًا كثير من فقهاء المذاهب.
نشأة باب المقاصد وأطواره
لقد مضتقرونقبل أن يظهر مصطلح مقاصد الشريعة في كتب أصول الفقه، حتّى ظهر في القرن الخامس الهجري على يد إمام الحرمينأبو المعالي الجويني رحمه الله. وكان أبرز ما كتبه في هذا المجال في كتابه “البرهان في أصول الفقه”، فالجويني هو مفتتح هذاالباب. ثمّ زاد في تفصيله وترتيبه تلميذه أبو حامد الغزالي رحمه الله، وسار على هذا النهج من أتى بعدهم ممّن ينتمون للمدرسة نفسها في مجال الأصول، وهي المعروفة بمنهج المتكلّمين في الأصول. إلّا أنّه لم يَنبَنِعلى إضافة هذا البابالجديد أثر ذو شأن في المنهاج الذي أرساه الإمام الشافعي رحمه الله لعلم الأصول. فإمام الحرمين الجويني وأبو حامد الغزالي ومن أتى بعدهما ممّن ساروا على نهجهما لم يكن إنشاؤهم لباب مقاصد الشريعة مغيّرًا بحال من الأحوال منهج علم الأصول، ولم يحدثبدخول مبحث مقاصد الشريعةتعديل ذو أهمّية على منهجه.
توضيح المقاصد وتقسيماتها والضرورات الخمس
ما الذي بُحث تحت عنوان مقاصد الشريعة؟
قالوا إنّ الشريعة إنّما أتت لتحقيق مصالح العباد في هذه الدنيا وفي الآخرة. أمّا المصالح التي أتتلتحقيقها في هذه الدنيا فهي تنقسم الى ثلاث مراتب من حيث الأهمّية، ففي المرتبة العليا تأتي “المصالح الضرورية”، ثمّ تليها “المصالح الحاجية”، ثمّ تليها “المصالح التحسينية”. وبعد هذا التقسيم عمدوا إلى تحديد المصالح الضرورية، فقالوا إنّه بعد استقراءأحكام الشريعة يتبيّنأنّالأحكام بتضافرها معًا تؤول إلى تحقيق مصالح ضرورية خمس،ألا وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل. فقالوا إنّ أحكام الشرع بمجموعها تؤول إلى حفظ هذه الضرورات الخمس. فالأحكام منها ما يقع في مرتبة الضرورة لتحقيق هذه المقاصد، ومنها ما يقعفي مرتبة الحاجيات، ومنها ما يقع في مرتبة التحسينات،وهي أيضًا تؤولإلى تحقيق المقاصد الخمس، ولو على غير وجه الضرورة.
بالطبع هذا الذي توصّلوا إليه إنّما توصّلوا إليه من طريق استقراء الشريعة، وليس استدلالًا بأدلّة شرعية محدّدة، أي ليست الأدلّة الشرعية من كتاب الله تعالى وسنّة رسولهﷺهي التي دلّت مباشرة على هذه المقاصد الخمس وأخبرت بها. وإنّما من خلال استقراء الشريعة بعمومها وجدوا أنّ الشريعة آلت إلى تحقيق هذه المقاصد. وممّا يلفت النظر أنّ المقاصد الخمس الضرورية شُرعت لأجلها عقوبات، حدّ أو قصاص، ما يشيرإلىأهمّيتها وخطورتها العظيمة. فلِحفظ العقل شُرع حدّ جلد شارب الخمر، ولحفظ الدين شُرع حدّ الردّة، ولحفظ النسل شُرع حدّ الزنى، ولحفظ المال شُرع حدّ السرقة، ولحفظ النفس شُرع القصاص النفس بالنفس. فقالوا إنّ هذه أيضًا قرائن على أنّ هذه الخمس هي مقاصد ضرورية للشريعة.
الخلاف حول حصر الضرورات
لم يكن حصر الضرورات بخمس محسومًا أو مقطوعًا به عند جميع العلماء. فثمّة علماء زادوا على الخمس المذكورة ضرورة سادسة، وهي العِرض، أي الكرامة الإنسانية. وهو ما ذهب إليه الإمام ابن السبكي، فقال في “جمع الجوامع”: “والضروريّ: كحفظ الدين، فالنفس، فالعقل، فالنسب، فالمال، والعرض”.وقد دافع الإمام الشوكاني عن هذه الإضافة قائلا في “إرشاد الفحول”: “الضروريّ: وهو المتضمّن لحفظ مقصود من المقاصد الخمسة التي لم تختلف فيها الشرائع، بل هي مُطبِقة على حفظها، وهي خمسة، أحدها: حفظ النفس.. ثانيها: حفظ المال.. ثالثها: حفظ النسل.. رابعها: حفظ الدين.. خامسها: حفظ العقل..، وقد زاد بعض المتأخّرين سادسًا، وهو حفظ الأعراض، فإنّ عادة العقلاء بذل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم، وما فُدي بالضروري فهو بالضروري أولى، وقد شُرع في الجناية عليه بالقذف الحدُّ، وهو أحقّ بالحفظ من غيره، فإنّ الإنسان قد يتجاوز عمّن جنى على نفسه أو ماله، ولا يكاد أحد يتجاوز عمّن جنى على عرضه. ولهذا يقول قائلهم:
يَهُونُ عَلَيْنَا أَنْ تُصَابَ جُسُومُنَا وَتَسْلَمَ أَعْرَاضٌ لَنَا وَعُقُولُ”.
وأيضًا ثمّة من رأى أنّه يمكن أن نضيف على هذه المقاصد التي هي الأهداف العليا لصيانة المجتمع الإسلامي حفظ الأمن الذي شرع الله سبحانه وتعالى لأجله حدّ الحرابة، وهو حدّ قطّاع الطرق، الذي دلّ عليه قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ}. وأيضًا حفظ الدولة التي هي قضيّة بحدّ ذاتها في الإسلام وشُرعت لأجلها أحكام تصل إلى اتّخاذ إجراء الحياة والموت من أجل وجودها والحفاظ عليها وعلى وحدتها، قال رسول الله ﷺ: (إذا بويِعَ لخَليفَتَينِ فاقتُلوا الآخِرَ منهما)، وقال ﷺ: (مَن أتاكُم وأمرُكُم جَميعٌ على رَجُلٍ واحِدٍ، يُريدُ أن يَشُقَّ عَصاكُم أو يُفَرِّقَ جَماعَتَكُم، فاقتُلوه). وقال ﷺ: (مَن بايَعَ إمامًا فأعطاهُ صَفقةَ يَدِهِ وثَمَرةَ قَلبِه، فليُطِعْه ما استَطاعَ، فإنْ جاءَ آخَرُ يُنازِعُه فاضرِبوا عُنُقَ الآخَرِ).
يقول الإمام تقيّ الدين النبهاني رحمه الله في كتابه “الشخصية الإسلامية”، في الجزء الثالث الذي خصّصه لعلم الأصول: (المقاصد الخمسة التي يقولون إنّها لم تخلُ من رعايتها ملّة من الملل، ولا شريعة من الشرائع وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، ليست كلّ ما هو ضروري للمجتمع من حيث هو مجتمع، فإنّ حفظ الدولة وحفظ الأمن وحفظ الكرامة الإنسانية هي أيضًا من ضرورات المجتمع، فالضروريات إذن في واقعها ليست خمسة وإنّما هي ثمانية).
وفي كلّ الأحوال سواء أكانت هذه المقاصد الضروريةخمسة أم كانت ستّة أم كانت ثمانية، فإنّ القضيّة ليست في تعدادها،فالاتّفاق حاصل على أنّ الشريعة إنّما أتت لتحقيق مصالح العباد، مهما كان تقسيم هذه المصالح.
وبعد حوالي ثلاثة قرون من زمن الجويني والغزالي سيأتي من يتوسّعفي مسألة مقاصد الشريعة، فيعطيها دورًا كبيرًا في مجال علم أصول الفقه، وهو الإمام أبو إسحق الشاطبي رحمه الله (ت ٧٩٠هـ)، الذي خصّص الجزء الثاني من كتابه الموافقات لقضية المقاصد وأعطاها دورًا واسعًا جدّا في علم الأصول. ولكن مهما تحدّثنا عن توسّع الإمام الشاطبي وكثير ممّن خاضوا بعده في التاريخ الإسلامي في مجال الأصول، فإنّ توسّعهم هذا لم يؤدّ في حال من الأحوال إلى ما وصل إليه الكثير من “المقاصديين” اليوم، من حَرف باب مقاصد الشريعة ليكون مصدرًا إضافيًا لأحكام الشريعة بدلًا من الأدلّة التفصيلية من كتاب الله وسنّة رسولهﷺ، أي لتنحيتهماوإحلال مقاصد الشريعةمكانهما مصدرًا للتشريع.
الانحراف المقاصدي المعاصر
إنّ فريقًا من المعاصرين الذي سلكوا طريق تحريف الشريعة، بل تبديلها بعد إفراغها من محتواهااستندوا إلى القول بأنّه ما دامت الشريعة قد أتت لتحقيق تلك المقاصد بات بإمكانناالآن اعتماد منهج جديد يحلّ محلّ علم الأصول التقليدي الذي اعتمده علماء الإسلام مئات من السنين،فبدل أن نغوص في تحرّي الأدلّة التفصيلية من الآيات والأحاديث النبوية لنستنبط منها، ونرجّح بعضها على بعض، وأن نغوص في العموم والخصوص، وفي المطلق والمقيّد، وفي الناسخ والمنسوخ، وفي المجمل والمبيّن، وفي فحوى النصّ، وفي دلالته…إلى آخره، يمكننا الاستغناء عن هذا كلّه وأن نعتمد مقاصد الشريعة أسسًا يبنى عليها فقه جديد! وهذا أخطر ما في الأمر، إذ وصلنا في هذا الزمان إلى فتاوى ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، بناء على اعتماد ما يسمّى بالمنهج المقاصدي.فسُوّغت به كثير من القوانين الوضعية التي شرعها مشرّعو الأمم الأُخر، وبُرّر تقسيم العالم الإسلامي إلى كيانات وطنية قُطرية، وبُرّرت الحرّيات العامّة التي تتّسمبها الحياة الغربية، وبُرّر اعتماد النظام الدولي وشرائعالأمم المتّحدة وانخرط بها المسلمون… بُرّرت كثير من الخطايا والموبقاتبذريعة أنّها تؤول إلى تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية،وصدرت منأناس رفعوا لواء المنهج المقاصدي والتفكير المقاصدي وما شاكل هذه العناوين.
تحريرمصطلحات العلّةوالمقصد والحكمة:
ثمّة خلط يقع فيه بعض الباحثين في أصول الفقه يتطلّب العودة إلى تحرير بعض المفاهيم والمصطلحات. فكونُ المقاصد الشرعية هي الغايات العامّة والأهداف العليا التي شُرعت لأجلها الأحكام، لا يعني بحالٍ أنها تُنزَّل منزلة “العلّة” التي يدور معها الحكم وجودًا وعدمًا، كما لا يعني أن تصلح أدلّةً تُستنبط منها الأحكام ابتداءً؛ فالفرق بينهما جدُّ كبير.ومن أراد الاسترسال ومطالعة دقائق هذا الباب، فعليه بـكتاب “الإحكام في أصول الأحكام” للإمام الآمدي (ت: 631هـ)، ففيه وفي نظائره من أمّهات الفنّ تفصيل رصين في التمييز بين مصطلحات:السبب، والعلّة، والحكمة التي هيمقصِد الشارع الحكيم.
من المقاصد الكلّية إلى المقاصد الجزئية
إذا كان الأصوليون والمقاصديون قرّروا أنّ الكلّيات الضرورية للشريعة (الخمسة أو الستّة أو الثمانية) هي المقاصد العامّة للتشريع، فإنّ هذه المقاصد الكبرى لا تتحقّق إلّا عبر تحقيق المقاصد الجزئية للأحكام كلّها، وهي ما يعبّر عنه العلماء بـ “الحِكمة”.وقد تظافرت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على بيان الحِكَم المقصودة بكثيرمن الأحكام الجزئية، منهاعلى سبيل المثال:
تحريم الخمر والميسر. قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}، فبيّنت الآية المقصد والحكمة من التحريم، وهي صيانة الألفة وقطع دابر البغضاء.
مشروعية الصلاة. قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}، فبيّن النصّ أنّ من مقاصد الصلاة وغاياتها أنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
فرضية الصيام. قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، فجعل التقوى مقصدًا من هذه العبادة.
ولو تتبّعنا كثيرًامن الأحكام الشرعية لوجدنا أنّ الشارع الحكيم نبّه إلى حِكَمِها وغاياتها في مواضع شتّى، وهذه الحِكَم هي عينها مقاصد الأحكام.
وجه المباينة بين العلّة والمقصِد) الحكمة(
إنّ إرجاع المقاصد المفردة للأحكام إلى الكلّيات الضرورية الكبرى أمرٌ مستقرّ، ولكنّ المزلَق الذي وقع فيه كثير من الخائضين في أصول الفقه يكمن في خلط “المقصد” -وهو الحكمة من التشريع-بـ”العلّة” وجعلهما شيئًا واحدًا؛ مع أنّ الفرق بينهما جوهري من وجوهٍ شتّى:
العلّة في الاصطلاح الأصولي هي: الوصف الظاهر المنضبط الذي يناط به الحكم الشرعي ويدور معه وجودًا وعدمًا، وهي الأصل الذي يُبنى عليه القياس.وبناءً على ذلك، يجب تقرير الآتي:
العلّة ليست أساسًا عقليًا للحكم. فالأحكام الشرعية منها ما هو معلّل بعلّة ومنها ما ليس معلّلًا، ولا يجوز تَكَلُّف علّة عقلية لكلّ حكم، ما لم يقم على ذلك دليل نقلي، من كتاب أو سنّة،باستنباط صحيح وفق مسالك العلّة المعتبرة. فما علّله الشارع بعلّةٍ أجرى العلماء عليه أحكام التعليل والقياس، وما لم يرتّبه على تعليل، سواء في العبادات أو المعاملات وجب الوقوف فيه عند دلالات النصّ دون تكلّف علّة عقلية؛ وبالتالي فلا تُجعل مثل هذه الأحكام أصلًا يُقاس عليه غيرها، سواء أكانت في باب العبادات أم في باب المعاملات.
في تصنيف الأحكام بين معلّل وتوقيفيصحيح أنّأحكام العبادات في الأغلب الأعمّ لا تعلّل وأنّ غالب العلل الشرعية موجودة في أحكام المعاملات، ولكنّ هذا لا يعني أنّ كلّ حكم من أحكام المعاملات معلّل. فلا يسوّغُ للأصوليِّ أن يَجعلَ كُلَّ جزئيةٍ من جزئياتِ أحكام المعاملات معللةً بمجرّد اندراجهِا في هذا الباب؛ إذ ثمّة أحكامٌ كثيرةٌ في فقه المعاملات وَردت عارية من التعليل.
وينبغي التنبّه إلى أنّقسمة الأحكام الشرعيةِ إلى:عبادات، ومعاملات، وآداب، وعقوبات… ليست تقسيمًا توقيفيًا دلّ عليه دليل شرعي خاصّ، وإنّما هوتقسيم اصطلاحي تدوينيجرى عليه صنيعُ الفقهاء والأصوليين لتسهيل التصنيف والرجوع إلى المصنّفات. هو بالطبعتقسيم سديد، ومطلوب، ومُعين على النظر الفقهي، ويَعسُرُ الخوضُ في تفاريع الفقه واستنباط مسائله دون رعاية هذا التبويبِ الاصطلاحي. إلّا أنّ هذا التقسيم التوفيقي لا ينفي وجود أحكام شرعية تتردّد بين البابين، أي بين العبادات والمعاملات، ولها شَبَهٌ بكليهما؛ فالزكاةُ -مثلًا-أُدرجت في بابالعبادات، لكن بالنظر إلى مآلاتها وتفاصيل أحكامها نجدها ركنًا أساسًا من أركان النظام الاقتصادي والمالي في الإسلام والذي يقع في صلب أحكام المعاملات. وكذلك الجهاد في سبيل الله، ألحق فريق من الفُقهاء أحكامه بباب العبادات، ولكنّه في جوهره ركن أساسٌ من أركان السياسة الشرعية ونظام الحكم والسياسة الخارجية لدولة الإسلام، ما يندرج أيضًا في باب المعاملات.
بناءً عليه، فإنّ هذا التقسيم ليس توقيفيًا يترتّب عليه اختلاف في منهج الاستنباط؛ إذ منهج الاستنباط في الشريعة واحد، وقواعد الأدلّة ومسالك العلّة مطّردة في سائر الأحكام. وإنّما غاية ما في الأمر أنّ الاستقراء الأصولي أفضى إلى أنّ أحكام العبادات في الغالب لا تُعلّل، وأنّ جُلّ الأحكام المعلّلة إنّما تقع في باب المعاملات.
الفرق الشاسع بين العلّة والمقصِد الشرعي) الحكمة(
لبيان حقيقة العلّة وعدم خلطها بالمقصِد؛ وجبَ تبيان أنّ العلّة في الاصطلاح الأصولي تُباينُ المقصِد تباينًا تامّا:
العلّة:هي الوصفُ الظاهر المنضبط المقرون بالحكم والذي جَعله الشارع باعثًا على التشريع وأمارةً عليه. وبِناءً على هذا، فإنّ الحكمَ يدورُ مع علّته وجودًا وعدمًا، فيثبت بثبوتها وينتفي بانتفائها. ومن آثار تَحقّق العلّةأنّها تُعَدّ ركنًا أساسيًا في “باب القياس”.فالقياس هو إلحاق فرع غير منصوص بأصل منصوص لاشتراكهما في علّة الحكم. فالعلّةُ أساس للحكم الشرعي، أي إنّ الحكم ناشئ منها ومترتّب عليها. فهي سابقة في وجودها على الحكم الفرعي، بمعنى أنها وُجدت فتبعها بالوجود الحكم الفرعي.
المقصِد )الحكمة:(هو الغاية المترتّبة على تشريع الحكم. فالمقصد لا يُبنى الحكم عليه ابتداءً، وإنّما هو أثر ناشئ من الحكم وتابع له؛ فبينما ينشأ الحكم المعلّل منعلّته، يَنشأ المقصدُ من الحكم ويترتّب عليه، وهذا محلّ الفرق الوجودي والوضعي بينهما.
الشواهد التطبيقية على تخلّف المقاصد واطّراد العلل
لتوضيح هذا التباين، نَسوقُ الأمثلة الشرعية التالية:
في باب الصلاة، قال تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}. هذا الأثر )النهي عن الفحشاء والمنكر(هو مقصد الحكم الشرعي وغايته ومآله. فهل يصحّ أصوليًا جعل هذا المقصد علّةً يدار عليها وجوب الصلاة وجودًا وعدمًا؟ الإجابة قطعًا:لا؛ إذ لو جعلناه علّة، لسقط وجوب الصلاة عن العبد الذي لا تزجره صلاته عن المنكر، وهذا باطل بالإجماع. فالمقصِد قد يتخلّف في بعض الصور والآحاد، لكنّ الحكم باقٍ لاطّراد الأمر بهوسبب وجوده، وهو دخول الوقت ومطلق الخطاب بالتكليف.
في باب الصيام، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. فالتقوى هي المقصد؛ ولكن لا يمكن بحال جَعل “تحصيل التقوى”علّة لوجوب الصوم يدور الحكم معها وجودًا وعدمًا، قولًا واحدًا باتّفاق المذاهب الفقهية، فلا يسقط الصوم عمّن لم يبلغ رتبة التقوى بصيامه.
في باب لباس المرأة، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَأَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}.دلّ السياق على أنّ الحكمة والمقصد هنا هو تمييز الحرائر من الإماء صيانةً لهنّ، فلو ادّعى مدّعٍ أنّ هذا التمييز هو “العلّة المؤثّرة”في الحكم، لأدّى ذلك إلى القول بسقوط فرضية الجلباب في عصرنا الحالي نظرًا لانتفاء وجود الإماء في الواقع المعاصر، وهذا قول فاسد لَم يقل به أحد من علماء المسلمين؛ لأنّ من شروط العلّة عند الأصوليين أن تكون مؤثّرة ومُطّردة، والتمييز بين الحرّة والأمة هنا مَقصد وحكمة لا علّة يدور معها وجوب الجلبابوجودًا وعدمًا.
في باب تحريم الخمر والميسر، قال تعالى:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}. فالآية نصّت على الحكمة والمقصد من التحريم )وهو دفع العداوة والبغضاء(. فلو زعم زاعم أنّ هذا المقصد هو العلّة، لَساغَ له القولُ:”سأشرب قدرًا يسيرًا لا يُسكِر فلا يوقِع عداوة ولا بغضاء”، وهذا مآل باطل شرعًا.
بالمقابل )مثال العلّة المطّردة (قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}.العلّة في تحريم البيعِ هنا هي “الاشتغال عن أداء الصلاة الواجبة”؛ ولأنّها علّة مؤهّلة يدور الحكم معها وجودًا وعدمًا، فإنّ الحكم بالتحريم ينتفي في حقّ مَن لم تجب عليه صلاة الجمعة، كالمرأة، والمسافر، والمريض؛ لانتفاء العلّة في حقّهم. ومِن مقتضى كونها علّة شرعية صحَّ بناء القياس عليها؛ فأُلحِق بالبيع كلّ مَشغلة من زراعة، وصناعة، وتجارة، وتعليم،قياسًا بجامع الإلهاء عن صلاة الجمعة الواجبة في وقت النداء.
إبطال مذهب القائلين بـِأنّ“كلّ حكم مصلحة مستقلّة بذاتها“
قد يعترض معترض فيقول:إنّتعليل الشارع للأحكام بهذه العلل يعني أنّه علّلها بالمصالح، فتسمّى العلّة مصلحة. ونقولُ رَدّا على هذا:إن كانت هذه التسمية مجرّد اصطلاح لفظي مبناه الاعتقاد بأنّ الشريعة كلّها مصلحة، فلا مشاحّة في الاصطلاح. ولكنّ هذا الاصطلاح إن قبلناه -ولا نقبله-لا يجوز أن ينبني عليه تغيّر في مناهج الاستنباط والاستمداد الأصولي. فالتحقيق الأصولي يقضي بأنّنا لا نتعامل مع “العلل”بوصفها مصالح غير محدّدة المعنى، بل نتعامل معها بوصفها معاني ظاهرةً ومنضبطة اعتبرها الشارع بواعثَ لأحكامه، فهي أدلّة شرعية مأخوذة من الخطاب الشارع، أي من الكتاب والسنّة. فالأصل أنّ الحكم الشرعي هو “خطابُ الشارعِ المتعلّقُ بأفعال العباد”، فالاتّباع يكون للخطاب والنصّ،لالمصطلح لامعنى ظاهرًا له.
ثمّ إنّ القول بأنّ كلّحكم شرعي جزئي يتضمّن -بمفرده وتجريده-مصلحة مستقلّة، هو تحكّم ونظر قاصر عارٍمن الدليل. وإنّما المتقرّر قطعًا ويقينًا أنّ الشريعة الإسلامية بمجموعها وبتضافر أحكامها، حيث يُمسك بَعضُها بأعناق بعض، تؤول في كلّيتها وتكاملها إلى تحقيق مصالح العباد في المعاش والمَعاد، وليس كلّ حكم من أحكامها منفردًا.
مثال فقه العبادات:أحكام الصلاةِ تفصيلًا (من ركوع وسجود وقراءة وهيئات)، لو جُرِّد كلّ حكم منها وانفرد عن سائر الأحكام، لَما ظهرت مصلحتُه المجرّدة، ولكن باجتماعِها وتكاملِها تتألّف العبادة الموصِلة إلى مقصدها الشرعي.
مثال النظام الاقتصادي:الأحكام المالية في الإسلام لو أُخِذ بعضها على انفراد وفي معزل عن بقيّة المنظومة، لربّما أدّى ذلك إلى تفويتها للمصلحة المباشرة؛ ولكنّها بتكاملها تبني النظام المقصود المحقّق لمصالح العباد. ففي واقعنا المعاصر -حيث يغيب النظام الاقتصادي الإسلامي كلّيًا-قد يَقعُ الضرر الجزئي على من يترك عقود التأمين التجاري، أو على من يجتنب المعاملات الربوية، بيد أنّه يتركها تعبّدًا وطاعة لله تعالى، مصداقًا لقوله ﷺ🙁يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر).
الخلاصة
بناءً على ما تقدّم؛ فإنّزعم أنّ كلّ حكم شرعي هو مصلحة بذاته، وبناءَ الأحكام والعلل الفقهية على المصلحة والمقصد المجرّد، هو خروج عن جادّة المنهج الأصولي السديد في فهم الإسلام وتطبيقه.
إنّ المنهج الأصيل والمحرّر هو التزام الأحكام بوصفها خطابًا إلهيًاملزِمًا لأفعال العباد، مأمورين بامتثاله وتسيير شؤونهم وحياتهم وعلاقاتهم المجتمعية على وَفقِ أوامره ونواهيه؛ فإذا استقامت الأمّة على هذا الامتثال الكلّي، آلَ هذا التطبيق حتمًا وبكفالة الشارع الحكيم إلى تحقيق مقاصد الشريعة ومصالح العباد.
فالعبد غير مكلّف ولا مأذون له بالبحث عن وسائل بشرية لتحقيق المقاصد بعيدًا منطريق نصوص الوحي، إذ لو كان قادرًا على تحصيل مصالحه وضرورياته بمجرّد عقله ودون وساطة الشرع، لَما كانت ثمّة حاجة لبعثة الرسل وإنزال الشرائع وتفصيل الأدلّة الموصِلة للأحكام العملية.
فمبنى منظومة الإسلام الأصولية هو الاتّباع والتزام مسلك النقل والدليل، والبحث عن مراد الشارع من خلال القواعد اللغوية والشرعية لخطابه في الكتاب والسنّة، وتطبيق هذاالخطابعملًا. وهذا الامتثال هو الكفيل بسَوْق المصالح تبعًا؛ تمامًا كما تَقَرَّر ووقع في القرون الأولى من تاريخ الأمّة، حيث استقامت الحياة وفُتحت الأمصار بتطبيق الأحكام بتفاصيلهاقبل أن تدوّن مباحث “مقاصد الشريعة”.
1448-01-28