فرضية الدعوة إلى تطبيق الشريعة والدعوة إلى الخلافة واجب يتطلب جهدًا مستمرًا، ولو سلّمه جيلٌ لجيل يليه
48 دقيقة مضت
المقالات
24 زيارة
(مترجم)
عبد الله بن عاصف – الهند
إن عمل النهضة الإسلامية لاستئناف الحياة الإسلامية ليس عمل فردٍ واحد، وقد لا يكون مهمةَ جيل واحد. فهو أمانة تُحمل في يد جيلٍ، وقد يسلّمها بأمانة إلى الجيل الذي يليه، حتى يتحقق وعد الله سبحانه وتعالى بالنصر والتمكين والاستخلاف. وبصفتنا من حملة الدعوة، ينبغي أن نستيقظ كل يوم ونحن نطلب رضا ربنا بأداء دورنا في هذه المهمة العظيمة والمشرفة التي شرفنا الله بها. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾،
وهذه الآية ليست موجَّهة إلى من يجتهد حينا ثم يتراجع، بل إلى من يواصل الجهاد والثبات في سبيل الله مهما طالت المدة وصَعُبت التكاليف. فالوعد الإلهي بالهداية مرتبطٌ بشرط الاستمرار في الجهد، لا بمجرد البدء به. وهذه الحقيقة ملازمة لهذه الرسالة، وهي من سنن الله التي ينبغي لكل حاملٍ للدعوة أن يستوعبها منذ البداية. فعلى حامل الدعوة أن يدرك أننا لم ندخل هذا العمل جازمين أننا سنرى نهايته في حياتنا، بل دخلناه لأنه واجب عصرنا، ولأن الأمة تحتاج إليه، ولأن الله سبحانه وتعالى قد أكرم قلةً من الناس بالوضوح في الرؤية والإخلاص في النية لحمل هذه الأمانة، وهو سبحانه بيده أمر النصر والتمكين والاستخلاف. فالحياةُ ميدانُ جهادٍ، وما بعد الموت راحةٌ من الشر. وقد قال النبي ﷺ:((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ)) رواه مسلم.
لقد عمل النبي محمد ﷺ وصحابته رضي الله عنهم بلا كلل لأكثر من عشرين عامًا؛ صبروا على الأذى في مكة ثلاثة عشر عامًا، ثم هاجروا إلى المدينة، وأقاموا الدولة الإسلامية، وقاتلوا قريشًا في بدر وأحد والأحزاب، حتى منَّ الله عليهم بفتح مكة في رمضان من السنة الثامنة للهجرة. كما أن أبناء كبار الصحابة وأحفاد النبي ﷺ وقفوا في وجه الطغاة. وبعض من سلك هذا الطريق، كياسر وسميّة والدَي عمار، استُشهدوا سنين قبل النصر، ولم يشهدوا الثمرة التي بذلوا حياتهم لأجلها، ومع ذلك بقي عمار رضي الله عنه ثابتًا في مواجهة الظلم حتى كبر سنه. وثباتهم حتى ماتوا لم يكن فشلًا، بل كان شرفًا خالدًا لهم، وتتابعت الأجيال على هذا النهج.
كما تؤكد وقائع التاريخ هذا النمط بلا استثناء، فقد أمضى صلاح الدين الأيوبي رحمه الله أكثر من عشرين عامًا في توحيد حكام بلاد الشام ومصر المتفرقين، حتى تمكن المجاهدون أخيرًا من تحرير القدس سنة 583 هـ، أي بعد ثمانيةٍ وثمانين عامًا من استيلاء الصليبيين عليها. واستشهد الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه عند أسوار القسطنطينية سنة 49 هـ، ولا يزال قبره هناك إلى اليوم، قبل أن يحقق السلطان محمد الفاتح بشرى النبي ﷺ ويفتح المدينة للإسلام سنة 1453م. ولم يكن الذين عاشوا وماتوا خلال تلك السنين الطويلة من الإعداد من الفاشلين، بل كانوا الأساس الذي بُني عليه التحرير. وكل مثال من هذه الأمثلة يحمل المعنى نفسه، فسنوات الركود الظاهري ليست ضائعة، بل هي المادة التي يتكوّن منها العمل، والنصر هو الخاتمة، لا جوهر المسيرة، وعلى حامل الدعوة أن يظل متذكرًا أن النصر من عند الله وحده.
وحزب التحرير نفسه تجسيدٌ حيٌّ لهذه الحقيقة، فقد أسس الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله الحزب سنة 1953، وعمل بلا توقف رغم السجن والنفي حتى توفي إلى رحمة الله تعالى سنة 1977م. ثم حمل الشيخ عبد القديم زلوم رحمه الله الراية حتى سنة 2003م. ويواصل الشيخ عطاء بن خليل أبو الرشتة، حفظه الله، القيادة اليوم، بعد أن شهد بنفسه ثلاث مراحل من القيادة وعقودًا من الدعوة الصابرة. وعلى مدى سبعين عامًا، امتد العمل إلى آسيا الوسطى، وشبه الجزيرة العربية، وشبه القارة الهندية، وأفريقيا، وأوروبا، وأمريكا، في توسع ثابت ومستمر يهز عروش حكام المسلمين المتهالكة أصلًا، ويواجه النظام الرأسمالي العالمي الجديد ببديلٍ متماسكٍ ومخلص.
ولتأكيد ذلك، فإن عنوان التقرير الفصلي الصادر من مركز أبحاث الشرق الأوسط في واشنطن في سبتمبر 2025، وهو “حزب التحرير: العقيدة السياسية، والامتداد العالمي، والتحدي للنظام الدولي” من بين كثير من الأبحاث والمنشورات التي تؤكد خوف الغرب من قوة الدعوة وحمَلتها. فإذا كانت قوى الباطل كالشيوعية وحركات الهندوتفا قد عملت قرنًا كاملًا للوصول إلى مفاصل الحكم، فكيف بنا ونحن نحمل أصدق نظامٍ من رب العالمين، أن نسمح لأنفسنا أن نتراجع عن هذه المهمة الشريفة؟!
وعلى مدى عقود هذا العمل، من الطبيعي أن يجد بعض حملة الدعوة الطريق صعبًا، فالخوف، والتعب، والضغوط العائلية، والضيق الاقتصادي، والحيرة أمام طول الصراع من غير انفراجٍ ظاهر، كل ذلك قد اختبر عزائم الصادقين في كل جيل، وليس هذا جديدًا؛ فالقرآن نفسه يسجل لحظات التردد التي وقعت من بعض الصحابة، ثم جاءهم الله سبحانه وتعالى لا باللوم، بل بالتذكير والتثبيت وإعادة النداء. قال الله سبحانه وتعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ثلاثة أوامر في تصاعدٍ من حيث الطلب: اصبروا: أي احملوا أعباءكم بالصبر، وصابروا: أي غالِبوا عدوكم في الصبر. ورابطوا: أي الزموا الموقع الذي أُسند إليكم، ثابتين لا تتزعزعون. وهذه ليست ثلاثة أفعال منفصلة، بل ثلاثة أبعاد لفعلٍ واحد هو الثبات الذي يطلبه الله سبحانه وتعالى ممن يحملون دعوته في الأوقات الشديدة.
ولمن ثبت يومًا بعد يوم، وسنة بعد سنة، وعقدًا بعد عقد: اعلموا أن أعظم الأجر لمن استمر حتى لقاء ربه، فالجنة ليست لمن تمناها فحسب، بل لمن عمل لها بإخلاصٍ وثباتٍ حتى آخر نفس، والخلافة الراشدة على منهاج النبوة ليست حلمًا بعيدًا، بل هي بشرى النبي ﷺ، أما التمكين والاستخلاف فهما وعدٌ من الله سبحانه وتعالى. وكل حلقة علم، وكل مسيرة، وكل خطوة صبورة يقوم بها حاملٌ من حملة هذه الدعوة في كل بقعة من الأرض، إنما هي لَبِنة في البنيان الذي سيُتمّه الله، ونحن ماضون، والآيات واضحة، والوعد حق، وإنما هي مسألة وقتٍ بإذن الله سبحانه وتعالى.
1447-11-28