العدد 478 -

السنة الأربعون ، ذو القعدة 1447هـ الموافق أيار 2026م

لا تدع عصر الخيانة يسرق قلبك،  الطريق من الاستضعاف إلى الخلافة

 (مترجم)

محمد عبد الله-  كشمير المحتلة

الواقع السياسي للعالم اليوم هو واقع حرب على الأمة، وما زالت غزة تنزف في عامها الثالث من الإبادة المنهجية والمجازر الجماعية. وكيان يهود المسلح والمموَّل والمحصَّن دبلوماسياً من واشنطن، والمدعوم بصمت حكّام المسلمين العملاء يواصل تحويل شعب كامل إلى ركام ومجاعة ومقابر جماعية. وإن أكثر آلة عسكرية تطوراً في العالم تُسقط الذخائر الدقيقة على المستشفيات والأطفال والعائلات بأكملها، فتمحوهم بضربة واحدة. أما ردّ النظام الرأسمالي الدولي فهو مسرحٌ من القرارات الفارغة والإدانات العاجزة، في الوقت الذي يستمر فيه تمويل المذبحة. والأشد مأساة هو خذلان حكّام المسلمين وصمتهم، في اتفاقٍ وإجماع سلبي على هذه الإبادة. وهذا ليس مجرد حرب؛ بل هو تجلٍّ للعداء الاستعماري الذي وصفه الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

ومن غزة إلى كشمير، لا تواجه الأمة اليوم أزمات منفصلة؛ بل تواجه حملة عالمية منسقة للاستضعاف، ففلسطين تُقصف حتى محوها ديموغرافياً، بينما تَفْسُد كشمير تحت الاحتلال القومي الهندوسي، والأراضي المحتلة، من نهر الأردن إلى وادي كشمير، تُعامل كحقائق دائمة على الأرض، وتُدار وتُرسَّخ في أذهان الأمة باعتبارها مشكلات أعقد من أن تُحل، وهذه ليست مآسي منفصلة؛ إنها مشروع استعماري واحد، يعمل تحت أعلام مختلفة، ويوحّده هدف واحد، وهو استمرار إخضاع المسلمين وعدم السماح البتة للإسلام من حيث هو نظام بأن يحكم هذه البلاد كما كان من قبل، مصداقا لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.

إذا كان سيف العدو مؤلماً، فإن خنجر الخائن أعمق جرحاً؛ وهذا تشبيه دقيق للحكّام العملاء الذين يتعاونون مع الكفار  وهم متخفّون بصفة الأوصياء.

لقد أثبتت الحرب الأمريكية على إيران الحالية أن الكفار لن يكتفوا أبداً بالأدوار التي تؤدّيها لهم بعض البلدان الإسلامية من وقت لآخر. فلعقود طويلة، كانت إيران عنصراً وظيفياً ضمن البنية الإقليمية الأمريكية، عن قصد أو بتقاطع المصالح، بوصفها صمام ضغط مُستقر في غزو أفغانستان، وثقلاً موازناً يمكن التحكم به في العراق، وقطعة شطرنج في تفكيك سوريا وثورتها على بشار المجرم، ثم ها هي أمريكا التي ساعدتها إيران ضد المسلمين قد انقلبت عليها، والدرس الواضح؛ هو أن أي مساومة مع القوة الاستعمارية لا تشتري الأمان، وأن من يخدم الإمبراطورية يُلقى به جانباً عندما تنتهي فائدته.

والأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين تعمل عميلة للمصالح الاستعمارية، وتستخدم ثروة الأمة لتمويل المستعمرين الذين يحتلون أرض المسلمين، وتطبيعها للعلاقات وصمتها عن إبادة غزة يثبتان أنها تُقدِّم بقاءها على دماء المسلمين، وهي تخشى المسلمين والإسلام أكثر كثيرا مما تخشى كيان يهود؛ لأن كيان يهود قد يأخذ من أراضي المسلمين، لكن الإسلام سيأخذ عروشهم. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾. وفي الوقت نفسه، تَفْسُد كشمير تحت الاحتلال القومي الهندوسي، وتُنسى في البيانات، وتُمحى من جدول الأعمال، أما فلسطين فتُدار بوصفها “أزمة” لا بوصفها جريمة استعمارية.

وفي خضم هذا كله من اليأس والخيانة، تُعرض على الأمة صورةٌ زائفة من الشرف والانتصار: مشهد جنرالات باكستان ورعاتهم السياسيين في إسلام آباد وهم يفرشون السجاد الأحمر للمبعوثين الأمريكيين، فرحين، مصوَّرين، ومفتخرين، ويقول لنا هؤلاء الحكام العملاء إن الوساطة لصالح القوى نفسها التي حطّمت بحروبها أجساد المسلمين من كابول إلى الفلوجة هي “فن الحكم”، و“دبلوماسية عالمية”، و“هيبة”. إنهم يفرطون بعقيدة “لا إله إلا الله” مقابل صورة مع الأقوياء، ويعرضون التعاون على أنه شجاعة، والاستضعاف على أنه رقيّ. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.

الهزيمة الحقيقية لا تقع في ميدان المعركة، بل تبدأ في العقل؛ فالانهيار الداخلي هو حجر الأساس للاستضعاف الدائم.

إن أسوأ الهزائم لا تنشأ في أي أرض على الخريطة؛ بل توجد في القلوب والعقول التي ترى هذه الخيانات ثم تصاب بالخدر تدريجياً بفعل اليأس، فالقلب الذي يبكي لغزة هو قلب حي، والصدر الذي يضيق لرؤية بلاد المسلمين المهانة هو صدرٌ يؤدي وظيفته كما ينبغي، والله لا يذمّ الشعور بالألم، لكنه يحذّر من أن يُبتلع الإنسان فيه حتى يصير اليأس شللاً، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. والنهي هنا ليس عن الألم، بل عن الغرق فيه، والنهي عن أن يتحول ما تراه إلى ثقلٍ يسحق قدرتك على الفعل، وعلى التفكير، وعلى الثبات على فهمك للحق.

يجب أن تُرى حقيقة هذه الأحداث من خلال سنن الله لا من خلال يأس المهزوم، إن سقوط الأقنعة، وانكشاف الأنظمة، وابتسام الجنرالات أمام كاميرات الغرب هو فضح لهم. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. والتمييز لا يقع في أوقات الرخاء؛ فالخائن يكشف نفسه تحت الضغط، وهذا ليس تمكيناً لهم؛ بل هو انكشافهم، والطريق إلى الأمام لا يعتمد على من خانوه، فإذا طبّعت الأنظمة الخائنة مع كيان يهود، فالتطبيع لا يصبح حقاً، وإذا سكت العلماء، فالصمت لا يصبح موقف الإسلام. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.

الإسلام لا تحمله المؤسسات؛ بل يحمله من بقوا عليه، وخيانتهم لا تدفن الحق، بل تدفنهم هم فقط.

لا تنتظر أن تثور الجماهير حتى تثبت على فهمك، ولا تنتظر العلماء حتى يتكلموا لتتخذ موقفك، قف لأنك تعلم، لا لأن الجمع تحرك، وإذا سكتوا، فلا تسكت، وإذا استسلموا، فلا تستسلم، وإذا انهاروا، فلا تنهَر. والسؤال المهم ليس: هل ستنهض الأمة في حياتي؟ بل: كيف سألقى الله؟ ستلقاه بما فعلتَ أنت، لا بما تحقق على أرض الواقع، فإذا ابتسم الجنرالات أمام كاميرات واشنطن، هل وصفتَ ذلك بما هو عليه؟ وإذا موّلت الأنظمة الاحتلال، هل كشفتها؟ وإذا أُهملت الأراضي المحتلة في الممرات الدبلوماسية، هل ذكرتها؟

ما يريده منك عصر الخيانة ليس فقط أن تخسر معركة؛ بل يريد شيئاً أثمن من ذلك: يريد قلبك، يقينك، عزيمتك، ورفضك أن تنكسر. فلا تعطه ذلك.

احزن، لكن لا تدع الحزن يدمرك، وأبصر، لكن لا تستسلم لما ترى، واحمل ثقل هذا العصر، لكن لا تدعه يدفنك، فالطريق طويل، ودورك فيما سيأتي يتوقف تماماً على بقائك واقفاً الآن، ووعد الله سبحانه وتعالى لا ينتهي بخيانة الحكام، ولا يُدفن تحت ركام غزة، ولا يُسكت بالتصفيق في قاعات الولائم بإسلام آباد، والله هو المتصرف بالنصر، وواجبك أن تتحرك، وأن تبقى واقفاً الآن، وأن تثق بأنه سيفتح ما لا تفتحه الأيدي البشرية، فعندما أُغلقت الأبواب في وجه يوسف عليه السلام وأُحكمت الأبواب، وضغط الباطل من كل جهة، فما الذي بقي؟ لم يبق إلا خطوة إلى الأمام، تُؤخذ بتوكلٍ كامل، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾. لقد تحولت لحظة الانحصار الظاهري نفسها إلى لحظة تدخلٍ إلهي. وهذه هي سنة الله مع عباده: إن أشدّ ضيقٍ للظروف ليس علامة على الهجر، بل هو عتبة الانفراج، وإعادة إقامة الخلافة وعدٌ سيتحقق. وقد قال النبي ﷺ: (ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *