النظام الدولي في ولاية ترامب الثانية: شرعيةُ القوّة أم فراغُ القيادة؟
5 ساعات مضت
كلمات الأعداد
48 زيارة
في عامٍ شهد عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الحكم، يشهد النظام الدولي تحولًا جذريًا من نظام قائم على القواعد والمؤسسات إلى مشهدٍ تحكمه صفقات القوة والتحالفات الآنية. تسعى إدارة ترامب الحالية إلى تحجيم دور الأمم المتحدة وإعادة تعريف “الشرعية الدولية” بمنطق القوة، وذلك عبر تقليص التمويل والانسحاب من منظمات أممية وإقامة أُطُرٍ بديلة مثل “مجلس السلام” الذي يترأسه ترامب نفسه. وفي المقابل، تواجه هذه التحولات مقاومة وقلقًا متصاعدًا بين حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا وكندا؛ إذ برز خطاب غير مسبوق لرئيس وزراء كندا منتقدًا نهج واشنطن ومعلنًا نهاية النظام العالمي القديم. لقد بات التحالف الغربي على المحك وسط أزمات ثقة متلاحقة – بدءًا من التوترات عبر الأطلسي وصولًا إلى أزمة غرينلاند التي أصبحت اختبارًا حادًا لتماسك المعسكر الغربي.
يرصد هذا المقال آليات التحول الراهن: من تراجع قيمة القانون الدولي أمام هيمنة القوة، إلى صعود دبلوماسية الصفقات والتلويح بالتعرفة والعقوبات حتى ضد الحلفاء. الأطروحة الراجحة التي يستند إليها التحليل هي أن واشنطن ترتجل خطوات غير محسوبة ضمن رؤية قصيرة المدى أكثر من كونها تمتلك خطة إستراتيجية لبناء ترتيب عالمي بديل. هذا الارتجال – المقترن بتآكل الشرعية الأمريكية داخليًا وخارجيًا – يُسرّع خلق فراغٍ في القيادة العالمية قد تسعى قوى أخرى كالصين وروسيا لملئه جزئيا. أخطر المآلات المحتملة لهذا المسار اثنان: أولًا، انهيار شبه كامل للتحالفات الغربية التقليدية ونشوء شروخ دائمة بين ضفتي الأطلسي، ما يترك أوروبا وكندا أمام خيارات صعبة، بين الرضوخ أو بناء بدائل دفاعية واقتصادية، وثانيًا، ظهور نظام عالمي شديد الاستقطاب قائم على مناطق نفوذ متنافسة وفراغات في الشرعية الدولية، بحيث تزداد مخاطر النزاعات الإقليمية والتصعيد العسكري في غياب إطار دولي جامع وفعال، على أن الأمم المتحدة أصلا لم تكن إطارا جامعا ولا فعالا. في كلتا الحالتين، ستكون تكلفة “الهيمنة بالقوة” باهظة على الاستقرار العالمي – وربما على الولايات المتحدة نفسها – ما لم تُعِد واشنطن النظر في منهجها أو يتمكن الفاعلون الآخرون من ابتكار ترتيبات أكثر توازنًا واستدامة.
مقدمة: من نظام القواعد إلى نظام الصفقات؟
هل يشهد العالم نهاية “النظام القائم على القواعد” ودخول حقبة “شرعية القوّة” دون مواربة؟ منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع ٢٠٢٥، توالت القرارات والخطابات التي تنم عن إعادة هندسة جذرية لمفهوم الشرعية الدولية كما عرفها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. استخدمت واشنطن نفوذها المالي والسياسي للضغط على المنظمات الدولية: بتقليص مساهماتها في ميزانية الأمم المتحدة، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية ومنظمات أخر، وتعطيل عمل هيئات أممية عبر شغور التمويل والمقاعد. بالتوازي، لوّحت الإدارة الأمريكية بإقامة أُطر موازية خارج مظلة الأمم المتحدة، من أبرزها «مجلس السلام» الذي رُوِّج له بوصفه آليةً لتحقيق الاستقرار بعد حرب غزة ٢٠٢٣، لكن سرعان ما اتخذ منحًى مختلفًا، بصفة البديل من مجلس الأمن الدولي، تقوده واشنطن منفردة، ولم يُخفِ الرئيس الأمريكي نواياه الحقيقية؛ إذ صرّح يوم ٢٠ يناير ٢٠٢٦ علنًا أن “الأمم المتحدة لم تفدني بشيء قط… قد يحلّ مجلسي هذا محلّها”. ويعلّق خبراء بأن ترامب يسعى لتحويل هذا المجلس إلى بديل لمجلس الأمن الدولي ولكن بفيتو أمريكي أحادي. إلا أن الهيكل الفعلي الذي أسسه ترامب أثار انتقادات واسعة، فوصفته صحيفة الجارديان بأنه “نادٍ يديره ترامب بمنطق الدفع مقابل اللعب”، يخدم طموحاته الشخصية أكثر من السلام. وامتنعت دول أوروبية رئيسة عن الانضمام رغم تلقيها دعوات؛ فلم تستجب المملكة المتحدة (حيث وصف زعيمها مشاركة روسيا المحتملة بأنها “مدعاة للقلق”)، وكذلك فرنسا والنرويج والسويد وغيرها رفضت الفكرة. وأعربت باريس صراحةً عن خشيتها من أن يكون المجلس محاولة لسحب البساط من الأمم المتحدة وتقويض شرعيتها. وجاء رد ترامب حادًا، مهددًا بفرض رسوم ٢٠٠٪ على واردات النبيذ والشمبانيا الفرنسية عقابًا لباريس على موقفها.
هذا المشهد يطرح تساؤلات محورية حول مستقبل الشرعية الدولية: هل نحن أمام إعادة تشكيل متعمدة لقواعد اللعبة الدولية وفقًا لمنطق القوى العظمى بعيدًا من التعددية والمؤسسات، أم ليس ما نراه سوى خطوات ارتجالية تفتقر لرؤية متماسكة، وقد تفضي في النهاية إلى فراغ قيادي وفوضى تستغلها قوى منافسة؟ السؤال لم يعد نظريًا، فملامحه تتجسد في تبدّل سلوك الحلفاء التقليديين لأمريكا وفي اندفاع خصومها لملء أي مساحة تتراجع فيها.
لفهم أبعاد التحول من نظام إلى آخر، تعالج المحاور التالية تسعة جوانب أساسية: بدءًا من مصير الأمم المتحدة، ومرورًا بأزمة التحالفات الغربية، ووصولًا إلى جدلية: تراجع أم إعادة تموضع القوة الأمريكية؟ ستكون مقارنةٌ للحجج المتنافسة حول كل محور – بين من يرى في ما يحدث نقلةً “واقعية” نحو نظام قوة جديد ومن يخشى أنه تفكيكٌ ارتجالي للنظام القديم دون بديل واضح – ثم ترجيح السيناريو الأرجح بالأدلة. الهدف هو تقديم قراءة إستراتيجية للمآلات الممكنة خلال السنوات القليلة القادمة، مع تحديد مؤشرات مبكرة لكل مسار، حفاظًا على قدرة صانعي القرار على الاستباق والتكيّف.
الأمم المتحدة وإعادة تعريف الشرعية الدولية
منذ بداية ولايته الحالية، اتخذ ترامب نهجًا صداميًا حيال المنظمة الدولية الأممية، رافعًا شعار “إصلاح النظام الدولي” لكن بأدوات التحجيم والإزاحة. فعليًا، ترجمت واشنطن هذا النهج إلى خطوات ملموسة: فخفّضت مساهماتها الإلزامية في ميزانية الأمم المتحدة إلى الحد الأدنى، وتخلّفت عن سداد متأخرات تتجاوز ١،٥ مليار دولار، ما فاقم العجز المالي للمنظمة. كما انسحبت من منظمات أممية أساسية، بذريعة انحيازها أو عدم فاعليتها؛ ففي يومه الأول بالمنصب أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا بانسحاب أمريكا من منظمة الصحة العالمية وتجميد تمويلها بالكامل. وتبِع ذلك إنهاء المشاركة الأمريكية في مجلس حقوق الإنسان الأممي (الذي انسحبت منه أيضًا عام ٢٠١٨) بدعوى “انحيازه ضد أمريكا و(إسرائيل)”، فضلاً عن قطع التمويل نهائيًا عن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) التي تعد أكبر مزود للخدمات الصحية والتعليمية في غزة. وفي خطوة أخرى رمزية، أعلنت الإدارة الانسحاب مجددًا من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) متهمةً إياها بالترويج لقيم “مستيقظة ومُقسِّمة” لا تتوافق مع السياسات الأمريكية. وعلى صعيد الاتفاقات الدولية، انسحبت واشنطن ثانيةً من اتفاق باريس للمناخ مطلع ٢٠٢٥، موجهة رسالةً أن الالتزامات الجماعية السابقة صارت حبرًا على ورق.
ما حدود ما يمكن لواشنطن تنفيذه فعليًا ضمن القيود القانونية والسياسية؟
من الناحية القانونية، لا تستطيع الولايات المتحدة “حل” الأمم المتحدة أو إنهاء دورها رسميًا، لكنها تمتلك قدرًا كبيرًا من النفوذ لتعطيلها عمليًا. فتخفيض التمويل وشغل مقعد عضو دائم في مجلس الأمن يتيحان لأمريكا شلّ قدرة المنظمة على تنفيذ القرارات أو إطلاق عمليات حفظ سلام جديدة. وقد شهدنا بالفعل تعطيلًا متعمدًا لبعض الآليات: تأخر تعيين مسؤولين أمميين بسبب اعتراض واشنطن، واستخدام الفيتو بكثافة في ملفات الشرق الأوسط، والدفع نحو “إصلاحات” إدارية تقلّص صلاحيات الأمانة العامة تحت شعار الكفاءة. على أن هناك قيودًا سياسية تحدّ من قدرة الإدارة الأمريكية على المضي إلى النهاية. فعلى الصعيد الداخلي، أبدى الكونغرس – ولو بشكل خافت – قلقه من انسحاب أمريكا الكامل من المنظومة الأممية، باعتبار أن ذلك قد يفتح المجال أكثر أمام الصين وروسيا لزيادة نفوذهما في المنتديات الدولية. وعلى الصعيد الخارجي، فإن الدبلوماسية التفاوضية لا تزال تؤدي دورًا؛ فكثير من مواقف ترامب التصعيدية استُخدمت كورقة ضغط للحصول على تنازلات، ثم جرى التراجع عنها أو تليينها في اللحظات الأخيرة ضمن صفقات تفاوضية. مثلًا، هددت واشنطن عام ٢٠٢٥ بإعادة هيكلة منظمة التجارة العالمية جذريًا أو انسحابها منها إن لم يغيَّر نظام تسوية المنازعات، لكنها اكتفت بشلّ عمل الهيئة مؤقتًا ودفع الدول الأخرى للتفاوض على إصلاحات. بمعنى أن بعض خطاب “إنهاء الدور” يبقى تفاوضيًا لتحقيق مكاسب، وليس تنفيذًا حرفيًا. ومع ذلك، لا يمكن إنكار الاتجاه العام: تآكل غير مسبوق في شرعية القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف عندما تتخلى القوة المهيمنة تاريخيًا عن حمايتها.
لقد أكد مستشار الأمن القومي الأمريكي صراحةً هذا التحول بقوله: «القانون الدولي لن يضمن أمننا؛ ما يضمنه هو قوتنا وتحالفاتنا التي نختارها». وهذه العبارة تلخص منطق الإدارة الحالية: الانتقال من نظام قواعد ومؤسسات إلى نظام صفقات وتوازنات قوى. وعليه يُطرح التساؤل: هل يستطيع العالم الحفاظ على حد أدنى من “الشرعية المتفق عليها” إذا انسحبت الولايات المتحدة من هذا الدور؟ أم سنشهد عودةً كاملة إلى شرعية الأمر الواقع حيث “القوي يفرض والضعيف يرضخ”؟ الإجابات تكمن جزئيًا في سلوك الأطراف الدولية الأخرى، لا سيما حلفاء أمريكا التقليديين…
التحالفات الغربية على المحك: الحلفاء بين الشك وإعادة التموضع
اتسم العام الأول من ولاية ترامب الثانية بتصدعات متزايدة في جدار الثقة عبر الأطلسي. فبينما تسعى واشنطن إلى إعادة تعريف العلاقات مع الحلفاء بمنطق المعاملات التجارية الصرفة (“أمن مقابل مال” و”تحالف مقابل ولاء مطلق”)، وجدت دول أوروبا وكندا نفسها أمام معضلة وجودية: إما التكيف مع نهج واشنطن الجديد وتحمل الإهانات والضغوط، أو محاولة بناء استقلالية إستراتيجية تجنبها الوقوع “ضحية على المائدة” الأمريكية. وفي هذا السياق، برز حدثان مفصليان كمِرآة لواقع التحالف الغربي الراهن: خطاب رئيس وزراء كندا في دافوس ٢٠٢٦، وأزمة غرينلاند بين واشنطن وحلفائها.
مرآة الحلفاء: خطاب دافوس الكندي
في سابقة دبلوماسية لافتة، وقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني على منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (يناير ٢٠٢٦) ووجّه انتقادات حادة – ضمنية وتصريحية – للسلوك الأمريكي. كارني، صرّح بوضوح أن “النظام العالمي القائم على القواعد قد انتهى”. ودعا ما أسماها “القوى المتوسطة” (الدول المتوسطة القوة مثل كندا والدول الاسكندنافية وربما بعض الدول الآسيوية) إلى التكاتف لحماية نفسها من تغوّل القوى العظمى. في كلماته: «عندما لا تعود القواعد تحميك، عليك أن تحمي نفسك. وعلى الدول المتوسطة أن تتحرك معًا، وإلا فستجد نفسها على قائمة الطعام لا على طاولة الحوار». هذا التصريح الجريء قوبل بتصفيق حار ووقوف الحضور تحيةً له – وهو أمر نادر في منتدى دافوس – ما يعكس تعطش الكثيرين لقيادة بديلة أو صوت حلفاء يوازن الصوت الأمريكي. ولم يكن كارني نظريًا فحسب؛ فقد شرع فعليًا في خطوات لتقليل اعتماد كندا الاقتصادي على الولايات المتحدة عبر عقد صفقات تجارية مع الصين وشراكات مع دول الشرق الأوسط خلال جولته. وأشار إلى ذلك بقوله إن كندا تسعى “لبناء استقلالية إستراتيجية في مجالات التجارة والطاقة وغيرها” تحسبًا لتقلبات السياسة الأمريكية.
أثار هذا الموقف العلني رد فعل غاضبًا من ترامب. فعلى الفور عقّب الأخير بأن “على كندا أن تتذكر أنها تعيش بفضل كرم الولايات المتحدة… عليك أن تشكرنا يا مارك في المرة القادمة”، مخاطبًا كارني مباشرة أمام الملأ، بل إن ترامب ذهب أبعد من ذلك في استفزاز حليفه الشمالي؛ فقبل الخطاب بيوم، نشر صورة مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهِر كندا وغرينلاند ملفوفتين بالعلم الأمريكي، في تلميح صادم إلى فكرة “ضم” الأراضي الكندية! هذه التصرفات غير المسبوقة من رئيس أمريكي تجاه جارته الحليفة هزّت المجتمع الكندي. أظهرت استطلاعات الرأي هناك ارتفاعًا في مشاعر القلق والسخط: انخفضت نسبة من يرون الولايات المتحدة شريكًا موثوقًا، وبدأ الكنديون بمقاطعة بعض السلع الأمريكية وخفض الرحلات إلى الولايات المتحدة بشكل ملموس ردًا على لهجة التهديد. ومع ذلك، حافظت أوتاوا على شعرة دبلوماسية مع واشنطن؛ فكارني رغم لهجته الصارمة اضطر لاحقًا لتخفيف بعض الإجراءات (مثل سحب مقترح ضريبة الخدمات الرقمية الذي أغضب واشنطن وتقديم اعتذار عن إعلان كندي مسيء لترامب) سعيًا لاستئناف المفاوضات التجارية. وهذا يدل على حدود قدرة الحلفاء على المناورة؛ فهم بين نارين: إما الاستسلام الكامل لمنطق القوة الأمريكية – وهو ما حذر كارني أنه “لن يشتري لهم الأمان بل سيجعلهم عُرضة للاستغلال” – وإما المجازفة باصطدام اقتصادي وأمني مع واشنطن تتفاوت قدرتهم على تحمله.
خطاب كارني في دافوس لم يكن مجرد حدث منفصل، بل يعكس تنامي نزعة التمرد المحسوب لدى بعض الحلفاء. فعلى الضفة الأوروبية، ورغم اختلاف الأسلوب، يشارك العديد من القادة الأوروبيين كندا الشعور نفسه بأن الاعتماد الأعمى على واشنطن بات خطرًا. وقد علق أحد الدبلوماسيين الأوروبيين بالقول: “لم يعد الأمر خلافًا عابرًا مع واشنطن؛ إننا أمام افتراق طرق في القيم والمصالح. علينا أن نؤمّن مستقبلنا الإقليمي بأيدينا”. هذا الموقف ترجمته خطوات أوروبية سنأتي عليها، لكن قبل ذلك تجدر الإضاءة على القشة التي ربما قصمت ظهر البعير في المعسكر الغربي: أزمة غرينلاند.
غرينلاند: اختبارٌ حدّي لتصدع التحالف
ترجع جذور الأزمة إلى عام 2019 حين أبدى دونالد ترامب رغبته في شراء غرينلاند لما تمثّله من ثقلٍ إستراتيجي وموارد في القطب الشمالي. يومها رفضت الدنمارك الفكرة ساخرَةً، لكن ما بدا «مزحة ثقيلة» تحوّل في ٢٠٢٥– ٢٠٢٦ إلى أزمة جيوسياسية حادة داخل المعسكر الغربي. فمع عودته، أعاد ترامب فتح الملف بنبرة تصعيدية: طالب بالتفاوض على بيع الجزيرة أو التنازل عنها، ولوّح بأن “هناك طرقًا أخرى” إن لم تُعقد صفقة، ثم صعّد مطلع ٢٠٢٦ بإعلان رسوم جمركية تصاعدية على الدنمارك ودول أوروبية للضغط نحو قبول الصفقة، وصولًا إلى تعرفة تبدأ بـ١٠٪ وتبلغ ٢٥٪ خلال أشهر، وصرّح عبر TruthSocial بلهجة تُفهم كاشتراط “ملكية كاملة” للجزيرة.
أمام وضع غير مسبوق -رئيس أمريكي يضغط على حليف أصغر في حلف شمال الأطلسي في مسألة سيادة- تبلورت الاستجابات على ثلاثة مسارات: أولها: مسار دبلوماسي: تشكيل مجموعة عمل أمريكية–دنماركية–غرينلاندية اجتمعت في واشنطن (١٤ يناير ٢٠٢٦) لبحث مخاوف الأمن القومي في القطب الشمالي دون المساس بالسيادة. غير أن التباين في الرسائل العلنية عمّق الشكوك: كوبنهاغن تحدثت عن حماية “سلامة المملكة”، بينما قدّمت واشنطن المجموعة بوصفها آلية لمناقشة “استحواذ” أمريكا على الجزيرة، بما يوحي بأن الخلاف ليس تقنيًا بل سياسي-سيادي. ثانيها: مسار داخلي أمريكي: تحرك الكونغرس بسرعة لقطع الطريق على أي مغامرة عسكرية محتملة، عبر مشاريع تمنع تمويل عمل عسكري ضد حليف في الناتو، بما في ذلك ضد قوات دنماركية/أوروبية تدافع عن غرينلاند. هذا المسار يكشف انقسامًا داخل النخبة الأمريكية، إذ يرى جزء منها نهج ترامب مقامرة قد تُحدث ضررًا طويل الأمد في سمعة الولايات المتحدة وتحالفاتها. وثالثها: مسار ردع أوروبي-أطلسي: عززت الدنمارك حضورها العسكري في الجزيرة وأعلنت مناورات، بينما أرسلت دول أوروبية وحدات رمزية إلى غرينلاند في إشارة منها للردع الاستباقي. ورغم محدودية هذه القوات، فإن وجودها يرفع كلفة أي خيار أمريكي ويحوّل الأزمة من «ضغط على الدنمارك» إلى خطر مواجهة سياسية/رمزية مباشرة مع الناتو. وقد لفت المجلس الأطلسي إلى أن «الاحتلال بلا ثمن» صار تصورًا أصعب، حتى إن الأوروبيين تجنبوا التصعيد الكلامي واكتفوا بعنوان ”تعزيز أمن القطب الشمالي“، لكن مجرد تلميح مفهوم «الردع» تجاه واشنطن يعكس هبوطًا غير مسبوق في مستوى الثقة.
هذه الأزمة وضعت التحالف الغربي أمام اختبارٍ نهائي: مجرد التفكير في احتمال صدام داخل الناتو لحماية أراضي دولة عضو هو مؤشر بالغ الخطورة. ويرى ستيفن ورتهايم أن السعي لضم غرينلاند لا يهدد فقط الشقّ عبر الأطلسي، بل قد يُحدث شروخًا داخل أوروبا نفسها: دول أكثر اعتمادًا على الحماية الأمريكية قد تميل إلى «تهدئة» ترامب بتنازل ما، بينما ترى دول أخرى أن المسألة خط أحمر سيادي، ما ينذر بانقسام أوروبي بين “الارتباط بواشنطن بأي ثمن” و”سيادة أوروبية مهما كانت الكلفة“. إلا إن كلفة أخرى تمثلت أمام الأوروبيين، عبر تراكم إهانات وخلافات: من ضغوط تجارية مهينة، إلى مشهد إذلال فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، إلى تقليص التنسيق الأمني في ملفات كبرى. وفي المقابل، أظهر الأوروبيون قدرًا من التماسك وتعلم الدروس: مقاومة محاولات “فرق تسد”، تقارب بريطاني-أوروبي أوضح، واتفاقات أمنية جديدة، ما يعني أن الخطر حتى الآن وحّدهم أكثر مما فرّقهم.
لكن التحذير قائم: إذا استمرت المظلة الأمريكية في التراجع أو التحول العدائي، فقد تخرج الخلافات الأوروبية الدفينة إلى السطح، كما ينبه جون ميرشايمر. لذلك يتشكل نهج أوروبي براغماتي يجمع بين شراء الوقت دبلوماسيًا وبناء قوة ذاتية: رفع الإنفاق الدفاعي، تعزيز الصناعات العسكرية والتكنولوجية، تقليل الاعتماد في سلاسل الإمداد الحيوية، وتوسيع أجندة الاستقلالية الإستراتيجية (طاقة، رقائق، معادن حرجة، ونُظم مدفوعات).
خلاصة المشهد: يدخل التحالف الغربي ٢٠٢٦ منهكًا لكنه لم ينكسر بعد. وأوروبا تحاول تحويل الإذلال إلى محفّز لإعادة بناء القدرة. ويبقى السؤال الإستراتيجي الحاسم: هل تستطيع أوروبا وكندا واليابان سد فجوة القيادة إذا استمرت الولايات المتحدة على هذا المسار، أم ستُبقيها الفجوة التكنولوجية والعسكرية -مهما ساءت العلاقة- مشدودة إلى واشنطن؟
موسكو–بكين–أوكرانيا: أولويات المواجهة وإعادة ترتيب المحاور
في خضم انشغال الولايات المتحدة بإعادة تشكيل التحالفات ورفع كلفة الاعتماد عليها، برز سؤال مركزي: كيف ستتعامل إدارة دونالد ترامب مع جبهتي الخصمين المتقاربتين: روسيا والصين؟ وهل تُبقي المواجهة مفتوحة مع الاثنتين، أم تُفاضل بينهما؟ تتفرع التقديرات إلى رؤيتين: الأولى تفترض محاولة تفكيك التقارب الروسي–الصيني عبر استمالة موسكو أو تقديم تنازلات لها؛ والثانية ترى أن واشنطن تريد تخفيف عبء أوكرانيا لتوجيه التركيز إلى الصين بوصفها الخصم الأثقل على المدى البعيد. ولأن ملف أوكرانيا هو المسرح الذي تداخلت فيه خيوط موسكو وبكين وواشنطن، فإن تتبع مسار الحرب هناك يوضح منطق إعادة ترتيب الأولويات.
أوكرانيا بين تسوية سريعة وتموضع واقعي
دخل ترامب البيت الأبيض في يناير ٢٠٢٥ واعدًا بإنهاء الحرب سريعًا، ما أثار قلق كييف والعواصم الأوروبية. وبالفعل ظهرت في الأسابيع الأولى إشارات ضغط: تخفيض الدعم العسكري المباشر، ودفعٌ غير معلن نحو وقف إطلاق نار بشروط أولية. وبلغ التوتر ذروته في اجتماع البيت الأبيض (٢٨ فبراير ٢٠٢٥) مع فولوديمير زيلينسكي، حيث قُدِّمت -وفق التسريبات- صيغة سلام تتضمن تنازل أوكرانيا عن نحو ٢٠٪ من أراضيها مقابل وقف القتال، وهو ما قرأته كييف وأوروبا بوصفه «سلام استسلام»، خاصة مع حديث متزايد عن صفقة محتملة بعد قمة ترامب–فلاديمير بوتين في أنكوراج (أغسطس ٢٠٢٥). لكن محاولة «التسوية السريعة» تعثرت لأسباب حاسمة: أولها: تشدد موسكو: إذ تمسّك بوتين بسقف مطالب أقصى (نزع سلاح أوكرانيا، تغيير نظامها، الاعتراف بضم الأراضي، رفع العقوبات)، ما جعل الصفقة غير قابلة للتسويق حتى داخل إدارة ترامب. ثانيها: ضغط الحلفاء والأوكرانيين: أوروبا كثّفت مساعيها لمنع تخلي واشنطن عن كييف، واقتُرحت مناقشات ضمانات أمنية بديلة من الناتو مقابل أي وقف نار، محذرة من أن «سلامًا بلا عدالة» يزرع حربًا أكبر لاحقًا. ثالثها: حسابات الداخل الأمريكي: لم يكن المزاج السياسي الأمريكي -حتى داخل التيار الجمهوري الأوسع- مهيأً لقبول انقلاب كامل لصالح روسيا، ما ضيّق هامش المناورة أمام البيت الأبيض.
من خيبة موسكو إلى «وسط متوازن»: بحلول أواخر ٢٠٢٥ وجد ترامب نفسه أمام معضلة: لا سلام سريع تحقق، ولا إمكانية لتجاهل الحرب. والأخطر أن موسكو لم تبتعد عن بكين؛ بل كرّست التقارب عبر قمم متتابعة مع شي جينبينغ أعادت التأكيد على «شراكة بلا حدود». هذا أضعف الفرضية الأولى (استمالة موسكو عبر «هدية أوكرانيا») ودفع إلى تعديل النبرة. ظهرت مؤشرات على إعادة تموضع: تصريحات أكثر تشددًا تجاه روسيا في سبتمبر ٢٠٢٥، وزيادة في الدعم الاستخباراتي، وتسريبات عن بحث تزويد كييف بقدرات نوعية بصورة أكثر حذرًا مما كان متوقعًا مطلع الولاية، ليس حبًا بأوكرانيا بقدر ما هو تجنب لصورة تراجع أمريكي مجاني، وخشية من دفع روسيا أعمق في أحضان الصين. ومع مطلع ٢٠٢٦ استقرت السياسة الأمريكية على صيغة «الحد الأوسط»: الدعم لم يتوقف لكنه لم يبق مفتوح السقف؛ تُزوَّد كييف بذخائر ودفاع جوي بوتيرة أبطأ، وتُربط المساعدات بضوابط مشددة، بينما تُستبعد عضوية الناتو عمليًا من النقاش. الهدف: منع انهيار أوكرانيا دون الانزلاق إلى تصعيد يهدد بتوسيع الحرب.
الأولوية الحاكمة: احتواء محور موسكو–بكين بلا تنازلات كبرى: الخلاصة التشغيلية تبدو كالتالي: واشنطن تريد احتواء التقارب الروسي–الصيني دون تقديم تنازلات إستراتيجية كبيرة لروسيا. لذلك تسعى إلى موازنة دقيقة، عبر دعم كافٍ يمنع نصرًا روسيًا حاسمًا ويُبقي كييف واقفة، وعبر امتناع محسوب عن خطوات قد تقلب موازين الحرب جذريًا أو تفتح باب ضربات داخل روسيا أو توسع الصراع. والرسالة الضمنية لموسكو: لسنا بصدد إسقاطك، لكنك لن تحصل على كل شيء بالقوة. أما الصين، فقد استفادت تكتيكيًا من إطالة الأزمة لأنها تستنزف موارد الغرب وتشتت تركيزه، لكنها في الوقت نفسه تجعل التقارب الروسي–الصيني ورقة ضغط مزدوجة على واشنطن. لذا تميل الإستراتيجية الأمريكية إلى جعل جبهة روسيا «هادئة/مجمّدة» إن أمكن، ليتاح التركيز على الصين أولويةً بعيدة المدى. عمليًا، هذا يعني نقل جزء أكبر من عبء أوكرانيا إلى أوروبا: تسليح وتمويل أوروبي متزايد مقابل دعم أمريكي «بالقطارة» يمنع الانهيار دون قيادة كاملة للملف.
سيناريوهات أوكرانيا في السنتين القادمتين ومؤشراتها المبكرة:
أولا: تسوية تَثبيت المكاسب الروسية: اتفاق يكرّس سيطرة روسيا على مناطق واسعة مقابل وقف نار وضمانات أمنية متعددة الأطراف لأوكرانيا (بدل الناتو) وربما تَفاوضٌ لاحق على الوضع النهائي. المؤشرات: مفاوضات أمريكية–روسية مكثفة على مستوى الأمن القومي، وضغط غربي حاد على كييف لوقف النار، وإشارات لتخفيف جزئي للعقوبات. الأثر: مكسب لموسكو وبكين (سردية تراجع الغرب)، وخسارة لأوكرانيا وأوروبا، وسابقة خطيرة للقانون الدولي.
ثانيا: نزاع منخفض الحرارة/استنزاف طويل: لا اتفاق حاسم، ولا انهيار: قتال متقطع ودعم غربي مستمر يمنع الاختراق الروسي، مع استنزاف متواصل للطرفين. المؤشرات: استمرار المساعدات دون ضغط نهائي للتنازل، مع عدم استعداد موسكو لحلول وسط، وتشدّد لفظي أمريكي دون صدام مباشر. الأثر: الصين الرابح النسبي (تعميق اعتماد روسيا عليها وانشغال الغرب)، فيما يدفع الجميع كلفة الاستنزاف.
ثالثا: انقلاب موازين أو تصعيد واسع: خطوة مفاجئة: نجاح أوكراني كبير بقدرات نوعية، أو تصعيد روسي إستراتيجي لكسر الجمود (قد يصل لخيارات خطيرة). المؤشرات: ضخ نوعي واسع للتسليح يغير قواعد اللعبة، أو تهديدات/تحركات روسية غير معتادة بأسلحة عالية التأثير. الأثر الأقل احتمالًا لكنه الأعلى خطرًا: قد يفرض على واشنطن ردًا حاسمًا ويحوّل الصراع إلى مواجهة أوسع.
خلاصة مركّزة: واشنطن تسعى إلى ترتيب الأولويات دون الوقوع في فخّين: حرب كبرى في أوروبا من جهة، ونصر روسي مجاني يقوّي محور موسكو–بكين من جهة أخرى. لذلك تُرجَّح سياسة «الموازنة الباردة»: نزاع مُدار، ودعم محدود كافٍ للمنع لا للحسم، وأولوية إستراتيجية مستمرة لاحتواء الصين، إلى أن يطرأ تغير جذري يبدّل الحسابات.
انتفاخة أخيرة أم انحسار إمبراطوري؟ جدل حول مستقبل الهيمنة الأمريكية
تثير سياسات إدارة ترامب الحالية جدلاً حاميًا بين الخبراء حول دلالة هذه التحركات على موقع الولايات المتحدة في التاريخ الإمبراطوري. فهل ما نراه هو “انتفاخة قوة” أخيرة – أي استعراض مفرط للقوة قبل الأفول – ما يعني أننا أمام انحسار إمبراطوري على غرار إمبراطوريات الماضي حين تبالغ في الإكراه وينهكها الحِمل الزائد؟ أم ما يحدث هو “إعادة تموضع عقلانية” لقوة عظمى تصحح مسارها بتقليص الأعباء وتركيز المصالح، وبالتالي قد تطيل أمد هيمنتها بشروط جديدة؟ نعرض هنا الحجتين المتنافستين ثم نحاول ترجيح الأقرب للصواب، مع وضع اختبار واضح لكل فرضية على أرض الواقع.
أطروحة الانحسار الإمبراطوري: تآكل الشرعية وإنهاك التحالفات
يرى أنصار هذه الأطروحة أن السياسة الخارجية لترامب تجسد “الإمبريالية العارية” بلا تجميل، بشكل يسرّع انحدار النفوذ الأمريكي عالميًا. يجادل ستيفن ورتهايم (مؤرخ في كارنيغي) بأن ترامب تخلى حتى عن الذرائع الأيديولوجية التي كان أسلافه يستخدمونها لتبرير الهيمنة – كالديمقراطية وحقوق الإنسان – وأصبح يعلن صراحة أنه يتصرف بدافع “أخذ النفط” أو مصالح مادية بحتة. هذا المكسب التكتيكي (الصراحة) هو خسارة إستراتيجية فادحة؛ إذ يُفقد الولايات المتحدة «شرعيتها الأخلاقية» تمامًا أمام العالم. الآن صار بوسع الصين مثلاً أن تقدم نفسها قوةً مسؤولة مقارنة بأمريكا، وأن تبرر هيمنتها الناعمة على أنها أكثر احترامًا للقانون الدولي مما تفعله واشنطن. كذلك خفض ترامب سقف المعايير بحيث بات على موسكو وبكين فعل القليل فقط لتبدوَا “أقل سوءًا” من واشنطن في نظر كثيرين. هذا التآكل في الصورة والشرعية هو سمة كلاسيكية لمرحلة الأفول الإمبراطوري، حين تفقد القوة المهيمنة “القناعة” والرضا الطوعي من الآخرين وتعتمد كليًا على الإكراه.
جانب آخر هو إنهاك التحالفات واستعداء الحلفاء. تشير وقائع السنتين الماضيتين إلى تصدع الثقة في التحالفات الأمريكية عبر العالم: من أوروبا التي بات بعض مسؤوليها يشبّهون التعامل مع واشنطن بأنه “علاقة تبعية مهينة”، مرورًا بكندا التي تشعر بتهديد وجودي من الجار الحليف، إلى دول آسيا المحيَّرة من تودد ترامب لكيم جونغ أون (زعيم كوريا الشمالية) ثم تجاهلهم. هذا الوضع يعني تآكل شبكة التحالفات التي طالما عُدّت مضاعِف القوة الأساسي لأمريكا. في ذروة الحرب الباردة، كتب إستراتيجي شهير أن “تحالفات أمريكا هي إمبراطورياتها”، بمعنى أن النظام الإمبراطوري الأمريكي يقوم على قبول الدول الطوعي لحماية واشنطن، لا على الاحتلال المباشر. فإذا فقدت هذه التحالفات إيمانها بالقيادة الأمريكية واضطرت إلى الاعتماد على ذاتها أو البحث عن شركاء آخرين، فهذه علامة أفول واضحة. هذا ما يحدث تدريجًا: اليابان وأستراليا مثلاً تبحثان عن تعاون أمني أوسع مع الهند وبريطانيا (تحالفات بديلة) خوفًا من تقلّب أمريكا. السعودية والإمارات – تابعان تقليديان – انفتحتا على الصين وروسيا في صفقات سلاح ونفط بشكل غير مسبوق، لشعورهما بأن مظلة واشنطن باتت غير مضمونة. كل ذلك يشي بأن ” PaxAmericana“ (السلام الأمريكي) الذي ساد بعد ١٩٤٥ تتفكك أجزاؤه، وربما نخوض فترة فراغ وفوضى قبل تشكل نظام جديد.
ثم هناك كُلفة القيادة والإنهاك الداخلي. يجادل البعض أن ترامب يستنزف قوة بلاده بدل أن يعززها. فرغم شعارات “أمريكا أولاً” فالحقيقة أن أمريكا تحت حكمه لم تقلل عجزها المالي ولا ديونها، بل على العكس قفز الدين العام إلى أرقام قياسية. إذ يقدر أن الدين الفيدرالي تجاوز ٣٦ تريليون دولار بمع نهاية ٢٠٢٤ (نحو ١٤٠٪ من الناتج)، مع عجز سنوي ١،٨ تريليون دولار في ٢٠٢٤، وهذه أرقام غير مستدامة تاريخيًا. ويدفع ترامب باتجاه خفض الضرائب وزيادة الإنفاق على الأمن والهجرة، ما يفاقم العجز. صحيح أن أمريكا قادرة تقنيًا على طباعة الدولار لتمويل نفسها، لكن الإفراط دون إصلاحات قد يهز ثقة المستثمرين ويضعف الدولار عالميًا على المدى الطويل. ناهيك عن الاستقطاب المجتمعي الحاد الذي ازداد: فالأزمة السياسية الداخلية (تشكيك في الانتخابات، وانقسام ثقافي وعرقي) تؤدي إلى تقويض القوة الناعمة والنموذج الأمريكي، وتحد من تركيز صناع القرار على تحديات الخارج. إن أي امبراطورية تاريخية غالبًا ما انهارت من الداخل حين تفاقمت أزمتها المالية والاجتماعية. ويخشى مراقبون أن تكون الولايات المتحدة دخلت مرحلة “الجمهورية المتأخرة” (تشبيهًا بروما) حيث تبدو قوية عسكريًا، لكن من الداخل تآكلت المؤسسات وفاقمتها النزاعات.
باختصار، منطق الانحسار يقول إن “انتفاخة أمريكا” الحالية – باستعراض العضلات وفرض الإملاءات – هي علامة ضعف لا قوة. إنها محاولة لقطف الثمار بالقوة بعدما تراجعت القدرة على الكسب بالإقناع والتوافق. وبالتالي فهي تسرّع عملية انفضاض الدول عن الزعامة الأمريكية، وتخلق فراغًا ستملؤه قوى أخرى أو فوضى. ويتوقع أنصار هذا الرأي أنه إذا استمر النهج الحالي، خلال عقد ربما سنشهد نشوء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب فعليًا، بتوازنات إقليمية تقودها الصين في آسيا، وروسيا إقليمياً، وربما تكتلات أوروبية وغيرها، فيما تنكفئ أمريكا لجوارها. بتعبير شهير: “روما الجديدة تحترق من الداخل، وتفقد ولاء مقاطعاتها”.
أطروحة إعادة التموضع العقلاني: تقليل الأعباء وشروط جديدة للهيمنة
في المقابل، يرى فريق آخر أن ما يفعله ترامب – رغم فوضويته الظاهرة – ربما يمثل تصحيحًا إستراتيجيًا طال انتظاره لدور أمريكا الدولي. هذه الأطروحة تقول إن أمريكا حملت على عاتقها عبء النظام العالمي لعقود (الدفاع عن الحلفاء، وتمويل المؤسسات، وتأمين الممرات البحرية، إلخ) على حساب اقتصادها ورفاه شعبها، وحان الوقت لتوزيع الكلفة بشكل عادل. من هذا المنظور، نعم نهج ترامب فظّ وغير دبلوماسي، لكنه حقق نتائج لم يستطع غيره تحقيقها. أبرز مثال: زيادة مساهمات الناتو الدفاعية بشكل كبير. فأوروبا كانت تماطل لعقود في رفع إنفاقها العسكري، وجاء ترامب وهدد صراحة بالانسحاب من الناتو إن لم يدفعوا أكثر. النتيجة: تعهّد الحلفاء في قمة ٢٠٢٥ بزيادة الإنفاق لـ٥٪ من الناتج، وهذا إنجاز تاريخي باعتراف المحللين، تحقق بسبب أسلوب ترامب غير التقليدي. كذلك في ملف التجارة: واجه ترامب الصين برسوم صارمة، فشعر الشركاء الآسيويون بأن أمريكا أخيرًا جادة في كبح الممارسات التجارية الصينية الضارة. وحتى في أمريكا اللاتينية، عندما نفذ ترامب عملية عسكرية للإطاحة بنظام مادورو في فنزويلا (مطلع ٢٠٢٥) – رغم التناقض مع شعاراته السابقة – عَدّ بعض الإستراتيجيين ذلك إعادة تأكيد لمبدأ مونرو وسيطرة أمريكا على نصف الكرة الغربي. ويشير هؤلاء إلى “عقيدة دونرو” (دمج دونالد مونرو) التي تمزج قومية ترامب مع مبدأ مونرو القديم: أي تركيز القوة الأمريكية في محيطها الإقليمي وطرد النفوذ الأجنبي من هناك، مقابل انسحاب نسبي من التزامات بعيدة أقل عائدًا.
يؤكد أنصار هذا الاتجاه أن الانسحاب من بعض الجبهات ليس تراجعًا بل إعادة توزيع. مثلاً، تقليل التركيز على الشرق الأوسط (سوريا وأفغانستان) والتوقف عن “بناء الأمم” هناك، سمح بتوفير موارد لإعادة بناء القوة الأمريكية أو توجيهها إلى منافسة القوى العظمى. كذلك ترويض الحلفاء – وإن كان مؤلمًا – أدى إلى شراكات أكثر نضجًا حيث يدفع كل طرف نصيبه. بعبارة أخرى، إدارة ترامب تغيّر “عقد التحالف”: بدلاً من أن توفر أمريكا الأمن مجانًا، ستصبح العلاقة “خدمة مقابل ثمن”. قد يبدو ذلك باردا، لكنه ربما الوحيد المستدام داخليًا؛ فالمزاج الشعبي الأمريكي بات لا يقبل دور “الشرطي العالمي” بلا مقابل كبير. وإذا اضطرت الدول الغنية كألمانيا واليابان لتحمل مسؤولية أكبر في دفاعها، فهذا في النهاية يخفف العبء عن الاقتصاد الأمريكي ويبقي التحالفات موجودة لكن بأشكال جديدة (تحالفات مرنة، مساهمات مالية أكبر من الحلفاء).
من زاوية تاريخية، يشبّه بعضهم ترامب بقيصر الأول (حاكم روما في أواخر مراحلها) الذي أدرك ضرورة الانكفاء وتنظيم الصفوف بدل التمدد الإمبراطوري المفرط. فالوقت – برأيهم – ليس لصالح أمريكا إن استمرت على النمط القديم، إذ الصين تصعد وتنهك الاقتصاد الأمريكي في لعبة طويلة المدى. لذا فإن البراغماتية تقتضي إعادة التموضع: التركيز على التهديد الأول (الصين) حتى لو بتسويات غير مثالية في جبهات أُخَر (أوكرانيا مثلاً)، وتأمين العمق الإستراتيجي (نصف الكرة الغربي، لذلك سياسة ترامب المتشددة تجاه أي وجود صيني/روسي فيه). هذا يقود إلى نظام عالمي “مناطق نفوذ” بالفعل، لكنه قد لا يكون كارثيًا كما يتصور البعض، بل واقع أكثر استقرارًا من محاولة فرض العولمة والقيم على الجميع. يستشهدون بنظرية كارل شميت (فيلسوف قانوني) الذي قال إن النظام الطبيعي هو أن تقود كل قوة عظمى منطقة نفوذها، وتتوازن القوى الكبرى فيما بينها. ترامب عمليا يُقَطِّع أوصال النظام العالمي إلى كتل إقليمية: أمريكا تقود الأمريكتين، وروسيا تقود أوراسيا القريبة، والصين تقود شرق آسيا… وربما أوروبا تقود نفسها بصفتها شريكا قريبا لأمريكا. هذا النظام رغم فظاظته قد يحقق نوعًا من الاستقرار لأن كل قوة ستكون مشغولة بضمان النظام في نطاقها بدل صدام الجميع في كل مكان.
صحيح أن ترامب لا يشرح هذا التنظير نظريًا، لكن سلوكه يعكسه: مثال ذلك إعجابه المعلن بالرئيس الأمريكي الأسبق جيمس بولك (الذي خاض حربًا مع المكسيك ووسّع أراضي أمريكا بشكل هائل في القرن ١٩)، بل وعلّق صورته في المكتب البيضاوي. هذه إشارة رمزية إلى أن ترامب يرى نفسه مُوسِّع نفوذ في الفناء الخلفي (أمريكا اللاتينية) أكثر من كونه باني نظام عالمي مثالي. وفي المقابل، يبدو غير مهتم بحروب بعيدة أو “دروس مثالية” – كما يظهر من برودة موقفه تجاه تايوان مثلاً. أي إنه يطبق نهجًا واقعيًا ١٠٠٪، سنعمل في مجال يمكننا الهيمنة فيه (نصف الكرة الغربي)، ونتجنب الإنهاك في مناطق قوة الغير (أوروبا الشرقية وتايوان)، ونساوم حيث يلزم (صفقات مع كوريا الشمالية وإيران تحت الطاولة ربما).
هذه الرؤية ترى أن السياسات الحالية – رغم خسائرها على المدى القصير في السمعة – قد تطيل أمد تفوق أمريكا. لأنها تحررها من حمل العالم على أكتافها، وتجعلها أكثر خفة ومرونة. والأهم، تفرض على الخصوم إدراك “الخطوط الحمراء” الأمريكية بوضوح. مثلاً، عندما استهدف ترامب النفوذ الصيني في الأمريكتين (حظر شركات صينية من مشاريع هناك وهدد كوبا وفنزويلا بقوة)، أوضح لبكين أن “هذه ساحتي الخلفية، إياك والتجاوز”. بالمقابل، تجنّب مثلاً المواجهة مع الصين في بحر الصين الجنوبي عمليا (ضجيج دون فعل حازم)، ما قد يُفهم رسالةً بأن “ساحتك الخلفية مفهومة”. إن هذه المقايضة الضمنية لو استمرت قد تؤدي فعلاً إلى تخفيف احتمال صدام عالمي، لأنه سيكون اعترافٌ متبادل بمناطق نفوذ، ولو دون توقيع رسمي.
باختصار، منطق إعادة التموضع يراهن أن ترامب ليس انعزاليًا بالمفهوم التقليدي – فهو لا ينسحب من العالم تمامًا – لكنه يعيد تعريف المصالح الحيوية. يريد أمريكا قوية بنيويًا (اقتصاد ومناعة ذاتية) حتى لو فقدت بعض “الزخارف” الخطابية عن قيم كونية. وهذا برأيهم يجعلها أكثر استعدادًا لمنافسة طويلة الأمد. ففي النهاية، أمريكا لا تزال أكبر قوة عسكرية، وستظل حاضرة في أوراسيا (عبر تحالفات آسيا والناتو وإن بشروط جديدة). وبما أنها تملك أوراق التفوق التكنولوجي والمالي (الدولار) – وهي لم تُمس حتى الآن – فإن هذه الفترة قد تكون استراحة محارب وإعادة تنظيم تُمَكّنها من الصمود في مواجهة الصعود الصيني لسنوات أطول. ويبرهن هؤلاء على رأيهم بأنه رغم كل الضجيج، لم نرَ انسحابًا أمريكيًا فعليًا من المناطق الحيوية؛ فالقوات الأمريكية لم تخرج من أوروبا أو شرق آسيا، بل زادت في بعض الحالات (نشر مزيد من القاذفات في غوام، و عودة التموضع في بولندا… إلخ). وبالتالي ربما “الدولة العميقة” في واشنطن تُوازن ترامب بحيث تحافظ على أسس الهيمنة التقليدية وإن تكيفت مع بعض شروطه الشخصية.
الترجيح واختبار الواقع
من الصعب حسم أي الأطروحتين أصدق اليوم، وربما تحملان شيئًا من الصحة معًا. لكن بتركيب الصورة الكاملة، يميل الترجيح إلى أن نهج إدارة ترامب الحالي أقرب إلى الارتجال قصير المدى منه إلى إستراتيجية كبرى مدروسة – مما يجعله في المحصلة يضر بالموقع الإمبراطوري لأمريكا أكثر مما يفيده. صحيح أن ترامب حقق مكاسب تكتيكية (تمويل من الحلفاء، وضغط على الصين تجاريًا)، لكنها مكاسب قابلة للانتكاس. إذ إنها جاءت بالإكراه والخوف، وليس بإقناع الشركاء بترتيب مستدام جديد. فماذا سيحدث مثلاً إن غادر ترامب المشهد؟ غالبية تلك الالتزامات ستتبخر لأن الحلفاء لم يقتنعوا برفع الإنفاق دفاعًا عن مصلحتهم، بل خوفًا أو مجاملة له. أما الصين فتنتظر فرصة تخفيف الضغط لتعاود تمددها. أي إن ما أُنجز يفتقر للاستدامة لأنه لم يُبْنَ على تفاهمات مؤسسية أو رؤية مشتركة.
أيضًا، لم نلحظ حتى الآن تخفيفًا حقيقيًا لأعباء أمريكا الخارجية: فالجيش الأمريكي ما زال منتشرًا في عشرات البلدان، والالتزامات الدفاعية القانونية لم تتغير (أمريكا ما زالت ُملزَمةً الدفاع عن عشرات الدول بمعاهدات رسمية). نعم، ترامب قلل بعض الانخراط (أوكرانيا، والشرق الأوسط)، لكنه أبقى القوات والبنى كما هي – ربما بدافع الحفاظ على الأوراق حتى يرى ما تحصل عليه بالمقابل. هذا يعزز فكرة الارتجال: فهو يتخبط بين الانسحاب والتورط حسب ما تمليه لحظة معينة أو صفقة يريدها. وقد رأينا تناقضات: من تدخل عسكري فج في فنزويلا (رغم أنه كان يعيب على أسلافه التدخل)، إلى تراجع عن ضربات مخطط لها في إيران باللحظة الأخيرة، إلى انسحاب سريع من شمال سوريا تبعه إعادة قوات لشرقها (من أجل النفط). هذه الحركات المتأرجحة تُفقد أمريكا مصداقيتها كرجل دولة وتحولها إلى لاعب مزاجي. وبالتالي تفوّت فرصة رسم خطة بعيدة المدى لترتيب عالمي جديد كما يزعم أنصار ترامب.
على ضوء ذلك، يمكن طرح اختبار مستقبلي لكل فرضية:
أولا: اختبار الانحسار: إذا صحت أطروحة التراجع الإمبراطوري، سنرى حدثًا مفصليًا يرمز لانهيار النفوذ – مثل انسحاب مفاجئ وفوضوي لأمريكا من تحالف أو منطقة (على غرار انسحاب بريطانيا من شرق السويس 1971) أو خسارة حرب أو أزمة اقتصادية تُضعفها داخليًا. مثال: لو قررت اليابان وكوريا الجنوبية مستقبلاً إبرام اتفاق أمني منفرد مع الصين لأنها باتت لا تثق بأمريكا، فهذه علامة أفول كبرى. أو إذا انهار الدولار بشكل مفاجئ وفقد مكانته لصالح اليوان/اليورو نتيجة سياسات الدين، فهذه ضربة لأسس القوة الأمريكية.
ثانيا: اختبار إعادة التموضع: إن صحت أطروحة تعزيز القوة، يفترض أن نشهد استقرارًا في مسارح المواجهة (انتهاء حرب أوكرانيا بشروط مقبولة نسبيًا، عدم اندلاع نزاع حول تايوان)، وبقاء التحالفات قائمة لكن بشروط مالية جديدة، وتجنب أمريكا التدخلات المكلفة. مثال: لو وصلت ٢٠٢٨ وأمريكا لم تنجرّ لحرب كبيرة، وحلف الناتو ما زال قائمًا (مع تمويل أوروبي أعلى)، والصين لم تغزُ تايوان نتيجة ردع أمريكي هادئ، حينها يمكن القول إن إستراتيجية ترامب نجحت في ”حفظ القوة وتجنب الإنهاك“. أيضًا مؤشر نجاح هو تحسن نسبي في المؤشرات الاقتصادية الأمريكية (انخفاض العجز التجاري، وزيادة الاستثمار الصناعي المحلي نتيجة إعادة سلاسل الإنتاج)، ما يعني أن تركيزه على الداخل آتى أُكُله.
حتى الآن، تُظهر المؤشرات المبكرة مزيجًا مقلقًا: التحالفات لم تنهَر تمامًا (نجح الردع في غرينلاند مثلًا في منع الأسوأ)، لكن الثقة تراجعت لمستوى غير مسبوق. الخصوم كالصين وروسيا لم تنتصر كليًا، لكن تقاربها ازداد عمقًا. الداخل الأمريكي لم ينهَر، لكن الاستقطاب والتضخم والمديونية تزداد وطأة. أي إننا ربما في مرحلة انتقالية مضطربة، ستحدد نهايتها إن كان التاريخ سيميل نحو سقوط “روما الجديدة” في الفوضى، أم ستجد طريقة مبتكرة لاستمرار هيمنتها على شكل جديد.
الارتجال في غياب الرؤية: فجوة التنفيذ ومخاطر عدم اليقين
رغم الشعارات الكبيرة، يلاحظ المراقبون أن إدارة ترامب كثيرًا ما تتخذ خطوات كبرى دون تصور واضح للخطوة التالية، ما يوقعها في فجوة تنفيذ بين القرار والنتيجة. هذا النمط الارتجالي يخلق حالة مستمرة من عدم اليقين، تجعل حتى مكامن قوة أمريكا الاقتصادية عاجزة عن استثمار القرارات السياسية لصالحها.
على سبيل المثال، عندما أعلن ترامب في ٢٠٢٥ فرض تعريفات جمركية شاملة على واردات ثماني دول أوروبية عقابًا لها، لم تكن هناك خطة لليوم التالي: ماذا لو رد الأوروبيون؟ ماذا عن تأثير ذلك على الشركات الأمريكية؟ بالفعل، حدث ارتباك في الأسواق، وتأجلت استثمارات كثيرة لشهور بانتظار اتضاح اتجاه السياسة. ثم تراجع ترامب عن بعض تلك الرسوم بعد تنازلات جزئية، لكن الضرر كان قد وقع: الشركات الأوروبية بدأت تتنوع بعيدًا من السوق الأمريكية وتستثمر في آسيا، بينما الشركات الأمريكية اشتكت من فقدان حصص سوقية بسبب الانتقام الأوروبي. أي إن القرار السياسي لم يحقق عوائد اقتصادية مستدامة، بل ولد صدمة وثم عادت الأمور تقريبًا لما كانت عليه مع خسائر ثقة.
كذلك في ملف فنزويلا: نعم، نجح ترامب عسكريًا في إزاحة مادورو سريعًا، لكن ماذا بعد؟ لم تكن هناك خطة متفق عليها لإدارة مرحلة ما بعد النظام. النتيجة: غرقت فنزويلا في فوضى وصراع قوى بين فصائل مسلحة، واضطرت أمريكا لاحقًا لإرسال بعثة تثبيت استقرار طويلة الأمد، أي عادت إلى الانخراط الذي أرادت تجنبه! والغريب أنه بعد وعود بمكاسب (نفط فنزويلا) لم تأتِ الثمار: فاستمرار عدم الاستقرار حال دون زيادة كبيرة في الإنتاج النفطي أو استفادة الشركات الأمريكية منه. هنا يظهر مثال حي على أن القوة العسكرية لا تترجم تلقائيًا إلى عوائد اقتصادية أو إستراتيجية دون رؤية متكاملة.
حتى صفقاته التجارية الكبرى – كاتفاق “ترنbery” المجحف الذي فرضه على أوروبا ٢٠٢٥ – بدت انتصارات قصيرة الأجل. صحيح أن الشركات الأمريكية حصلت على بعض الأفضلية التجارية فورًا، لكن ضمن أي إطار مستقبلي؟ الاتفاق وُصف بأنه غير قابل للاستمرار لأنه قائم على إملاءات لن تقبلها أوروبا طويلاً، وبالفعل بدأت دول أوروبية الالتفاف حوله قانونيًا (استغلال ثغرات أو اللجوء لمنظمة التجارة العالمية ولو معطلة) وستنتهي مفاعيله مع خروج ترامب ربما. أي إن ترامب حصل على السمكة لكنه قتل البحيرة! استفاد آنياً لكنه أضر بالعلاقة طويلة المدى وبالثقة التي تحتاجها الأعمال.
من زاوية الاقتصاد السياسي، يلاحظ الخبراء تردد القطاع الخاص الأمريكي والدولي في ظل نهج ترامب المتقلب. الاستثمار بطبيعته يكره اللا يقين؛ وترامب يصنع الكثير منه: اليوم يهدد دولة حليفة بعقوبات، وغدًا يغازل منافسًا إستراتيجيًا بصفقة. مثلاً، قطاع الطاقة الأمريكي لم يندفع كما المتوقع رغم الفرص (بعد العقوبات على روسيا) بسبب خوفه من قرارات مفاجئة تعكس السياسات أو تنخرط في نزاع جديد. وول ستريت متوجسة من ديون الحكومة المتفاقمة، لكنها لا تعرف متى ينفجر الوضع. أحد كبار المصرفيين وصف الوضع بقوله: “لدينا سوق صاعدة بفضل خفض الضرائب، لكن خلفها جبل ديون ينمو. والبيت الأبيض مشغول بمعارك جيوسياسية تُربك سلاسل التوريد. لا أحد يخطط لعشر سنوات الآن”. هذه الفجوة بين القرار السياسي والفعل الاقتصادي أحد أهم مخاطر النهج الحالي؛ لأنها تُفقد أمريكا عنصر الثقة والاستقرار الذي كان سر جاذبية اقتصادها عالمياً.
يضاف لذلك عامل الارتجال الشخصي لترامب: إعجابه بالمفاجآت وإقالة المسؤولين بسرعة وعدم إيمانه بالخبراء. فقد غير أربع وزراء دفاع في عام! وشهدت الخارجية نزيف دبلوماسيين مخضرمين. هذا النقص في الكادر المحترف أدى أحيانًا إلى قرارات دون دراسة كافية للتبعات. وأحيانًا وجدت أجهزة الدولة نفسها تحاول “لملمة” آثار خطوة غير محسوبة. هذا النمط لا يمكن أن يؤسس رؤية مستدامة. فالسياسة الخارجية الأمريكية عادة تُصنع بتخطيط يمتد لسنوات (كما كانت الإستراتيجية تجاه الاتحاد السوفيتي مثلاً بنيت بصبر). أما الآن، فكل شيء يومي وآني. لذا حتى لو كانت نية ترامب مثلاً التركيز على الصين، فغياب التخطيط قد يجره لحادثة في أوروبا أو الشرق الأوسط تبعده عن هدفه.
من الأمثلة التي تُذكر هنا سياسة ترامب تجاه إيران وفنزويلا: شدد الخناق ثم لم يعرف كيف يستثمر اللحظة حين ثارت شعوبهما. دعم احتجاجات إيران كلامياً، لكنه لم يقدم خطة دعم أو تواصل مع المعارضة، فنجا النظام. في فنزويلا، بعد سقوط مادورو لم يخطط لإعادة الإعمار فازداد الوضع سوءًا. النتيجة: لا إيران تغيرت ولا فنزويلا تعافت. وكسبت روسيا والصين نفوذًا هناك تحت الطاولة بينما أمريكا منشغلة بخطابات نصر فارغة.
يمكن استخدام فنزويلا بدراسة أوضح: أراد ترامب تركيز الموارد ضد الصين، فاعتقد أن إنهاء ملف مادورو السريع سيحرر القارة من نفوذ مزعج. لكن غياب الرؤية لما بعد العملية جعل فنزويلا بؤرة اضطراب جديدة تتطلب موارد مستمرة (مساعدات إنسانية، ووجود أمني) – أي عكس المطلوب تمامًا. والأسوأ أن هذا ولّد عدم يقين في أسواق النفط العالمية: فبدل زيادة المعروض انخفض لفترة بسبب الفوضى، ما رفع الأسعار عالمياً وأضر بالاقتصاد الأمريكي أيضاً (ارتفاع أسعار الوقود). هنا نرى كيف أدى الارتجال السياسي إلى نتيجة معاكسة اقتصاديًا وحتى إستراتيجيًا.
في المحصلة، غياب التصور لما بعد الخطوة الأولى يجعل الكثير من تحركات واشنطن مجرد ردود أفعال لا تنسجم ضمن إستراتيجية كبرى. وهذه ثغرة يمكن أن تستغلها القوى الأخرى: فالصين مثلاً تراهن على طول النفس؛ تبني مبادرات بنية تحتية لعشرين سنة قادمة في آسيا وأفريقيا (الحزام والطريق)، بينما أمريكا منشغلة بإطلاق تصريحات متقلبة. الشركات الصينية تخطط لعقود مستفيدة من دعم حكومي صبور، بينما الشركات الأمريكية في حيرة من أمرها بين واشنطن وبكين. إذا استمر هذا النهج، سيحدث نزيف صامت لنفوذ أمريكا الاقتصادي لصالح منافسين أكثر استقرارًا.
باختصار، يمكن القول إن “القوة بدون رؤية” خطر على صاحبها أولاً. ولعل هذا ما قصده رئيس وزراء كندا كارني عندما قال: “لا يكفي أن تكون قويًا، عليك أن تعرف ماذا تفعل بقوتك. وإلا فإن الآخرين سيعيدون ترتيب أنفسهم لحماية مصالحهم”. وقد شهدنا بالفعل بوادر اصطفافات جديدة: تحالفات وسطية بين القوى المتوسطة، تزايد التعامل بالعملات المحلية لتجنب هيمنة الدولار في بعض التبادلات، واتفاقيات تجارية متجاوزة لأمريكا. هذه كلها إشارات على عالم لا ينتظر أمريكا حتى “تستيقظ وترسم الخطة”، بل يتحسب للأسوأ ويبدأ بالتحرك.
قيود الداخل الأمريكي: مأزق بنيوي للاستدامة الإستراتيجية
لا يمكن تحليل السياسة الخارجية الأمريكية بمعزل عن محددات الداخل، إذ تشكل هذه المحددات قيدًا بنيويًا على أي إستراتيجية طويلة المدى. الولايات المتحدة اليوم تعاني من دين عام وعجز مالي متفاقم، واستقطاب حزبي ومجتمعي عميق، واهتزاز ثقة المؤسسات، إضافة إلى توترات اجتماعية ثقافية لم تخْفَ منذ ذروة احتجاجات ٢٠٢٠. هذه العوامل تجعل استدامة المغامرات الخارجية أو حتى مجرد الصبر الإستراتيجي أمرًا صعبًا.
عبء الدين والعجز: بلغ الدين الفيدرالي مستويات تاريخية نسبةً للاقتصاد (تجاوز ١٣٠٪ من الناتج). خلال ٢٠٢٥ وحدها، أضافت السياسات حوالي ١،٥ تريليون دولار جديدة من الديون المستقبلية. هذا يعني أن خدمة الدين (دفع الفوائد) أصبحت واحدة من أكبر بنود الإنفاق الفيدرالي، وأي ارتفاع إضافي في أسعار الفائدة أو تراجع في ثقة المستثمرين قد يخلق أزمة مالية تضطر الحكومة إلى تخفيض الإنفاق الدفاعي والخارجي قسرًا. لقد رفع الكونغرس سقف الدين لـ ٤١ تريليون دولار عام ٢٠٢٥ عبر قانون “الشيك الجميل الواحد”، لكن ذلك مجرد تأجيل للمشكلة دون حل جذري. استمرار الإنفاق العسكري الضخم (قرابة ٩٠٠ مليار دولار سنويًا) مع خفض الإيرادات الضريبية غير قابل للاستمرار في العقد القادم. وعادةً ما تقود أزمات الدين القوى العظمى إلى “تقليص بصمتها الخارجية”؛ فبريطانيا العظمى بعد الحرب العالمية الثانية وجدت أن تكلفة الحفاظ على إمبراطوريتها تفوق قدراتها المالية فتخلت عنها. إذا استمرت واشنطن في تراكم الدين بهذا النمط، فقد تجد نفسها مضطرة لتخفيض وجودها العسكري وقواعدها الخارجية، ببساطة لعدم القدرة على تحملها ماليًا، بغض النظر عن رغبة أي إدارة.
الاستقطاب السياسي: شهدت أمريكا انقسامات حادة بين المعسكرين الجمهوري والديمقراطي حول قضايا أساسية، بما فيها السياسة الخارجية. تحولت ملفات مثل العلاقة مع أوروبا، والموقف من الناتو، والتجارة مع الصين، والتدخلات العسكرية إلى مواضيع خلاف داخلي بدل توافق وطني. هذا الاستقطاب يحدّ من القدرة على اعتماد إستراتيجية ثابتة؛ فكل انتخابات قد تعني انعطاف ١٨٠ درجة. بالفعل، تراقب الدول الأخر المشهد: رأوا كيف انقلبت السياسات من أوباما إلى ترامب إلى بايدن ثم عادت مع ترامب. كثير من الحلفاء باتوا يتساءلون: ما قيمة التزامات أمريكا إذا كانت تتغير كل أربع سنوات؟ حتى داخل فريق ترامب نفسه، هناك انقسامات (تيار مقرب من التقليديين مقابل تيار “أمريكا أولاً” المتشدد). هذا المناخ يجعل التخطيط بعيد المدى في واشنطن شبه مستحيل، فأي إستراتيجية عرضة للإبطال بتغيير سياسي. لقد حذر مسؤول أوروبي أن “السياسة الخارجية أصبحت “مسرحًا للصراع الداخلي” في أمريكا، وبتنا لا نعلم إن كان توقيعهم اليوم سيُلتزَم غدًا». لذا بدأت الدول تبحث عن تأمينات جانبية: أوروبا تقارب الهند والبرازيل لعلاقات مستقبلية، والشرق الأوسط يتجه شرقًا، إلخ. وهذا بذاته يضعف قدرة أمريكا على قيادة تحالفات طويلة النفس.
تراجع الثقة بالمؤسسات: من سمات الداخل الأمريكي حاليًا انخفاض مستوى ثقة الجمهور بمؤسسات الحكم؛ الكونغرس، والقضاء، والإعلام، وحتى الجيش والمخابرات أصابتها انقسامات. هذه الحالة تحد من قدرة القيادة على تعبئة الأمة خلف سياسات صعبة. مثلاً، لو تطلب الأمر تضحية اقتصادية أو تعبئة عسكرية لمواجهة الصين، هل الشارع الأمريكي مستعد؟ استطلاعات عدة تشير إلى أن الأولوية لدى الأمريكيين هي المشكلات الداخلية (التضخم، والهجرة، والجريمة) وليست “حماية تايوان” أو “دعم أوكرانيا” إلا ضمن حدود ضيقة. ترامب فاز أصلاً على موجة هذا المزاج المنهك من “حروب لا تنتهي”. وبالتالي أي محاولة للعودة إلى دور قيادي عالمي تقليدي ستصطدم بجدار لا مبالاة أو رفض شعبي. حتى عندما يحذر الخبراء من خطورة تمدد الصين، يهتم المواطن العادي أكثر بأسعار البنزين. هذا القيد الديمقراطي سيزداد مع مرور الوقت إن لم تتحسن أحوال الداخل. وأمام وضع كهذا، قد يجد صناع القرار -أيًا كانوا- أنفسهم مقيدين سياسيًا: فمثلاً ربما يعرفون أهمية وجود الأسطول الأمريكي الدائم قرب بحر الصين، لكن إن زادت الخسائر أو وقعت حادثة، سيعصف بهم النقد الداخلي. سيناريو كهذا يذكّر بما حصل لأمريكا في سبعينات القرن الماضي عقب فيتنام: مزاج شعبي ضاغط للانسحاب وتقليص الدور العالمي.
التوترات الاجتماعية والثقافية: تعيش أمريكا تحولات ديمغرافية وثقافية عميقة (تزايد الأقليات، وصعود حركات الهوية، والانقسام حول قضايا الإجهاض والسلاح…إلخ). هذه القضايا تستهلك قدرًا هائلاً من الانتباه والجهد السياسي، حتى إنها طغت على السياسة الخارجية كثيرًا. كما أنها تخلق قابلية للاضطراب الداخلي، وقد شهدنا تظاهرات مليونية وأعمال عنف سياسي (الهجوم على الكابيتول ٢٠٢١). أي أزمة داخلية كبيرة قد تستدعي تركيز كل الجهود على البيت الداخلي لسنوات، ما يعني فراغًا في القيادة العالمية في تلك الفترة. وبالفعل، أبدى حلفاء أمريكا قلقهم عندما رأوا مشاهد الاقتتال السياسي في واشنطن؛ أحدهم قال: ”كيف نعتمد في أمننا على دولة نصف قادتها لا يعترفون بشرعية الانتخابات؟“. هذا الضعف الإدراكي يضر قوة أمريكا الناعمة والاستقطابية، وقد تستغله قوى مثل الصين وروسيا لتقديم نظامها بوصفه “أكثر استقرارًا وكفاءة” مقارنة “بفوضى الديمقراطية الأمريكية”.
ترجمة هذه القيود على الإستراتيجية واضحة: إنها تقصر نَفَس أي تحرك أمريكي خارجي. لم تعد واشنطن تملك رفاهية الالتزام عقودًا بمشروع مارشال جديد أو حرب باردة طويلة. تحتاج لنتائج سريعة لتسكت الداخل. وهذا يشرح كثيرًا ضغط ترامب للفوز السريع (24 ساعة لأوكرانيا، أشهر لإيران…) – إنه يعلم أن الداخل لن يصبر. لكن التحديات المعاصرة معقدة وعنيدة، فعدم الصبر قد يعني الفشل أو حلولاً ناقصة تزيد الأمر سوءًا. إنه مأزق حقيقي: الداخل يضغط لإنهاء المشاكل بسرعة، وسرعة الحلول قد تخلق مشاكل أكبر.
كما تؤثر هذه القيود على إدارة التحالفات طويلة الأمد. حيث يتطلب الحفاظ على التحالفات تقديم بعض التنازلات والتفهم المتبادل، وهو ما يصعب في مناخ شعبوي. مثلاً، لكي تستمر شريحة واسعة من الأمريكيين بدعم حلف الناتو، عليهم الاقتناع بأنه يخدمهم. ترامب أقنع الكثيرين أن الناتو “عبء”. إقناعهم مجددا قد لا ينجح حتى لو تغير الرئيس، لأن الفكرة ترسخت. وهكذا تتحول القيود الداخلية إلى تغيير دائم في السياسة الخارجية: نزعة نحو الانعزال أو على الأقل الأنانية القومية ستبقى قوة مؤثرة بغض النظر عمن يحكم.
في ضوء ذلك كله، الاستدامة الإستراتيجية الأمريكية موضع شك. نعم، أمريكا قوية بما يكفي لخوض أزمة أو حرب قصيرة والانتصار. لكن هل يمكنها الاستمرار ضامنًا للنظام العالمي لعقد آخر أو اثنين؟ إن قدرة التحمل السياسي والاقتصادي مطلوبة لذلك، وهي تتآكل. ربما تحتاج واشنطن لنموذج قيادة جديد – تشاركي أكثر مع حلفائها، وأقل كلفة عليها – كي تتغلب على قيود الداخل وتبقى في موقعها. ولعل في هذا فرصة: فإذا نجحت أمريكا في إعادة توزيع مسؤوليات النظام على حلفائها بصورة مقبولة (مثلاً أن تتولى أوروبا أمن جوارها، والخليج يمول استقراره، واليابان وأستراليا تشارك في ردع الصين)، فستكون قد عوّضت ضعف التصميم الداخلي بتحالفات أقوى. أما إذا استمرت في النهج الحالي من تأرجح بين فترات تدخل وانكفاء تبعًا للمزاج السياسي، فسوف تتبدد قوتها في عدم الفعالية وسيستفيد الآخرون، وهذا الأخير هو ما يحدث في ظل إدارة ترامب بالضبط. في النهاية، الداخل الأمريكي – بديونه وانقساماته – هو مثل خزان الوقود لأية رحلة إمبراطورية. والمؤشر الأحمر يقترب. إن لم يبدأ إصلاح التسريبات وضخ وقود جديد (استثمار في البنية التحتية، والتعليم، ووفاق سياسي)، فإن الرحلة ستضطر للتوقف مهما كانت وجهتها.
السيناريوهات المحتملة حتى عام ٢٠٣٠
في ظل المعطيات السابقة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات أساسية أو أربعة لمآل النظام الدولي خلال السنوات الخمس القادمة (حتى ٢٠٣٠ تقريبًا)، مع تحديد محركات كل سيناريو ومؤشراته المبكرة وتأثيره على مختلف الأطراف:
في ضوء المعطيات السابقة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمآل النظام الدولي حتى عام ٢٠٣٠. هذه السيناريوهات ليست «نبوءات» بقدر ما هي خرائط احتمالات، لكل منها محركات تُغذّيه، ومؤشرات مبكرة تكشف اتجاهه، ثم نتائج مختلفة على أوروبا وروسيا والصين والشرق الأوسط والاقتصاد العالمي، مع توزيع متباين للرابحين والخاسرين.
أولا: سيناريو «شرعية القوّة» الأمريكي: أحادية قطب معدّلة بشروط قاسية:
يقوم هذا السيناريو على فرضية أن واشنطن تنجح في إعادة ضبط النظام الدولي لصالحها عبر أسلوب ضغط مباشر: رسوم، وعقوبات، واشتراطات دفاعية ومالية على الحلفاء، مع غياب بديل عالمي قادر على منافستها فعليًا. المحرك الأساسي هنا هو استمرار النهج الترامبي طوال دورة سياسية كاملة (٢٠٢٥–٢٠٢٩) مع قدرٍ كافٍ من الدعم الداخلي، وانضباط الحلفاء تحت الضغط، وعدم تشكل جبهة مضادة فعالة تجمع الصين وروسيا في تحالف مضاد متماسك. مؤشرات هذا السيناريو تظهر مبكرًا حين يلتزم الحلفاء علنًا زيادات إنفاق أو اتفاقات تكرّس ترتيبات أمريكية جديدة (حتى لو جاءت بصيغ ملتوية تحفظ ماء الوجه)، وحين تفشل بكين وموسكو في تحويل تقاربهما إلى كتلة ردع عالمية قادرة على كسر قواعد اللعبة الأمريكية، بل قد يظهر شقاق بينهما أو تباعد وظيفي يحد من قدرتهما على العمل جبهةً واحدة. أما النتائج فتبدو على النحو الآتي: أوروبا تبقى تحت المظلة الأمريكية، لكن بشروط أكثر صرامة تمس استقلال القرار الدفاعي والمالي، ومع تآكل مساحة المناورة السياسية. أما روسيا فتُحجّم عبر مزيج من الردع والصفقات الجزئية؛ قد يُجمَّد نفوذها عند حدود معينة (في أوكرانيا مثلًا) مقابل تخفيف محدود للعقوبات أو اعتراف واقعي بأوضاع قائمة دون إضفاء شرعية كاملة. وأما الصين فتستمر في مواجهة تجارية/تقنية طويلة، لكنها تُفضّل خفض المخاطر العسكرية؛ وقد تقبل ببعض «قواعد اللعب» الأمريكية لتجنب صدام واسع. وأما الشرق الأوسط فيشهد ترتيبات أمنية أكثر مباشرة، تقودها واشنطن بنفسها أو عبر حلفاء إقليميين (مثل كيان الاحتلال ودول الخليج)، مع حلول ضاغطة وسريعة في ملفات كبرى. وأما الاقتصاد العالمي فيظل قائمًا على مركزية الدولار، لكن بصورة أكثر تقييدًا؛ أدوات العقوبات والأنظمة المالية (مثل شبكات التحويل والتمويل) تصبح سلاحًا أشد حضورًا. في هذا السيناريو، الرابح الأكبر هو الولايات المتحدة (بتثبيت هيمنتها بشروط جديدة)، ومعها النخب الموالية لها في دول الحلفاء، وقطاعات كالصناعات الدفاعية الأمريكية. أما الخاسرون فهم الدول المتوسطة التي تتراجع قدرتها على المناورة، وبعض مظاهر سيادة الاتحاد الأوروبي، والدول التي تصنفها واشنطن «معاندة» والتي قد تواجه ضغوطًا قسرية أعلى.
ثانيا: سيناريو «تعدد الأقطاب وفجوة الشرعية»: فراغ قيادة وتنافس تكتلات إقليمية:
هذا السيناريو يفترض فشل واشنطن في الحفاظ على النظام الذي قادته بعد الحرب الباردة، وظهور فراغ لا يُملأ بقطب بديل واحد، بل بتكتلات متنافسة وتحالفات إقليمية، مع ضعف متزايد للمؤسسات الدولية ومعايير الشرعية. محركه الرئيس هو انهيار جزء من التحالفات التقليدية (وقد يكون ذلك نتيجة أزمة كبيرة داخل الناتو على شاكلة أزمة سيادة/أمن)، إلى جانب ضغوط اقتصادية أو سياسية داخلية في أمريكا تحد من قدرتها على التدخل الخارجي، بالتزامن مع تنامي محور بكين–موسكو وتوسع أطر بديلة (مثل بريكس+). المؤشرات المبكرة هنا أكثر وضوحًا وخطورة: انسحاب أمريكي أحادي من معاهدات كبرى أو تفريغها من مضمونها، وإعلان أوروبي صريح عن سياسة دفاع مستقلة بالكامل خارج الإطار الأطلسي، أو ظهور اتفاقات أمنية رسمية بين خصوم واشنطن (كتحالف دفاعي صيني–روسي أو ترتيبات أمنية موسعة مع أطراف إقليمية مناوئة). النتائج المحتملة تتوزع كالآتي: أوروبا قد تنقسم داخليًا بين من يسعى لتسويات مع روسيا ومن يذهب لسباق تسلح مستقل؛ وغياب المظلة يرفع كلفة الوحدة ويُظهر التناقضات الكامنة. وأما روسيا فتستفيد إقليميًا من انخفاض الردع الغربي، وقد توسع نفوذها في جوارها القريب دون خوف من رد جماعي فعال.
وأما الصين فتبرز ضامنا أمنيًا-اقتصاديًا في آسيا، مع قدرة أكبر على فرض أوضاع في محيطها وربما في ملفات حساسة، وتوسع مبادراتها كمظلة بديلة عن النظام الغربي. وأما الشرق الأوسط فيتحول إلى ساحة تقاسم نفوذ بين قوى إقليمية (إيران/وتركيا/والسعودية/ودولة الاحتلال) مع دخول الصين وروسيا لاعبين اقتصاديين وأمنيين أكبر حجما، وتراجع الوزن الأمريكي. وأما الاقتصاد العالمي فيتجه إلى التفكك النسبي: تكتلات تجارية ونقدية متوازية، وتنافسا على العملات والتقنيات، وتراجع فاعلية مؤسسات العولمة التقليدية. في هذا السيناريو، الرابحون هم الصين أساسًا، لأنها الأقدر على ملء جزء كبير من الفراغ، وروسيا على المستوى الإقليمي، مع بقائها الأصغر أمام الصين، وقوى قومية في دول متعددة تستثمر غياب «الشرطي العالمي». وأما الخاسرون فهم الولايات المتحدة (فقدان المكانة)، وأوروبا الغربية (ضياع الضامن ووحدة الصف)، والدول الصغيرة التي تصبح أكثر عرضة لصراعات النفوذ من دون قانون دولي فعّال يحميها.
ثالثا: سيناريو «توازن قوى جديد»: صفقة الكبار وتقاسم النفوذ:
هذا السيناريو يفترض أن القوى العظمى -أمريكا وروسيا والصين- تصل إلى تفاهم غير معلن لتجنب حرب كبرى عبر تقاسم مناطق النفوذ وإدارة التنافس ضمن سقوف مضبوطة. محركه هو إدراك متبادل لاستحالة إقصاء الآخر، وظهور قيادة أكثر براغماتية (أو على الأقل أكثر واقعية) تدفع نحو تفاوض خلف الستار، مع ضغط اقتصادي عالمي يجعل سباق تسلح مفتوحًا غير قابل للتحمل. المؤشرات المبكرة تشمل قممًا ثلاثية أو سلسلة قمم ثنائية متتالية بين قادة القوى الكبرى، وتصريحات أو وثائق تعترف ضمنيًا بمصالح كل طرف ومجالات نفوذه، مع تهدئة خطابية مقصودة: تخفيف واشنطن للهجوم الأيديولوجي على النظام الصيني، وتجنب بكين الصدام العلني مع التحالفات الأمريكية، وربما تفاهمات «غير مكتوبة» حول خطوط حمراء. النتائج هنا أكثر تعقيدًا: أوروبا قد تستفيد من خفض التوترات عالميًا، استقرارا اقتصاديا وأمنيًا نسبيا، لكنها تصبح طرفًا ثانويًا يُبلّغ بالترتيبات بعد إنضاجها، أي خسارة في الاستقلالية السياسية وإن كان ضمن بيئة أقل اضطرابًا. أما روسيا فتربح اعترافًا بوضعها في جوارها، لكنها تبقى الشريك الأصغر أمام بكين وواشنطن، ونفوذها يصبح معتمدًا على التفاهم بين الكبار. أما الصين فتحصل على مساحة أوسع لقيادة آسيا ضمن تفاهمات تمنع الانزلاق العسكري، مقابل التزامات لضبط التوسع العالمي أو احترام خطوط معينة. وأما الشرق الأوسط فقد يُدار بتفاهمات تمنع اصطدام وكلاء القوى الكبرى: نفوذ أمريكي بالخليج، روسي في نقاط نفوذ محددة، وصيني اقتصاديًا على نطاق واسع، مع «قواعد عدم اشتباك» سياسية. وأما الاقتصاد العالمي فيستمر في العولمة لكن بقيود جديدة: قواعد محدثة للتجارة، وربما إصلاحات شكلية في المؤسسات الدولية لتعكس توازن القوى (معايير جديدة في التقنية/والسيبراني/والتسلح). الرابحون هم القوى الكبرى الثلاث (تجنب حرب مكلفة وتقاسم النفوذ)، وبعض الدول المحايدة المتوسطة التي تستفيد من الاستقرار دون الانحياز الكامل. أما الخاسرون فهم أصحاب المشاريع الأيديولوجية (إذ تتحول السياسة إلى صفقة قوة لا صراع مبادئ)، والدول التي كانت تستثمر تنافس الكبار للحصول على مكاسب من الطرفين، إذ تقل فرص «المساومة بين القطبين» في ظل تفاهمهما.
خلاصة انتقالية قصيرة:
السيناريو الأول يعني أن واشنطن تنجح في «تشديد» أحادية القطبية. والثاني يعني تفكك المظلة وظهور فراغ وفوضى قواعد. والثالث يعني «عقلنة» التنافس عبر «صفقة كبار» تُخفض مخاطر الحرب لكنها تُضعف دور الأطراف الثانوية. وبقدر ما تبدو هذه السيناريوهات منفصلة، فإن الواقع قد يبدأ بأحدها ثم ينزلق إلى غيره وفق أحداث مفصلية: أزمة سيادة داخل التحالفات، أو صدمة اقتصادية أمريكية، أو نقطة اشتعال في آسيا. هذه السيناريوهات ليست حتمية منفصلة تمامًا، فقد نشهد مزيجًا من عناصرها أو تتابعًا زمنيًا لأكثر من سيناريو. مثلاً، قد يحدث السيناريو الثاني (فراغ) لفترة ثم يدفع الخطر بالفوضى نحو السيناريو الثالث (صفقة الكبار) حلًّا لاستعادة الاستقرار. المهم هو المؤشرات المبكرة: على صناع القرار وصوغ السياسات أن يراقبوا التطورات؛ هل يتعمق تحالف بكين-موسكو بلا تصدعات؟ هل يستمر الحلفاء الغربيون في استقلالية أكبر؟ أم يعودون لحضن أمريكا في ٢٠٢٧ مثلًا لو تغيرت الإدارة؟ فهذه إشارات أي طريق يُسلك.
بطبيعة الحال، اللاعبون الإقليميون (كالقوى المتوسطة وكتل الجنوب العالمي) سيكون لهم دور أيضًا في ترجيح كفة اتجاه ما. فهم يمكنهم ملء بعض الفراغ أو الانحياز لأحد المعسكرات. على سبيل المثال، إذا شكلت الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا كتلة تنحاز للنهج التعددي، قد يسرع ذلك سيناريو العالم المتعدد الأقطاب.
أما لو اصطفوا كلٌّ مع قوة (الهند مع أمريكا، والبرازيل محايدة، إلخ) فقد يرسخ توازن الكبار. السيناريوهات أعلاه تقصد منتصف المدى (٥-١٠ سنوات). أما على المدى الأطول (ما بعد ٢٠٣٠)، فستدخل عوامل أخرى (تغيرات تكنولوجية جذرية، وتغيرات مناخية كبرى، واحتمالات انهيار داخلي لأحد الكبار من عدمه) تؤثر بتشكيل نظام مختلف جذريًا ربما. لكن في نطاق رؤيتنا الحالية، هذه هي المسارات الأكثر معقولية.
خاتمة: بين الارتجال والرؤية… من يملأ الفراغ؟
ختامًا، يمكن القول إن واشنطن في عهد ترامب تفتقد لرؤية شاملة لبناء ترتيب عالمي بديل؛ فهي تتحرك باندفاع القوة الآنية أكثر من تخطيط المعمار المستقبلي. لقد هدمت – أو قوضت – أجزاء من النظام القديم (شرعية المؤسسات الدولية والتحالفات التقليدية) دون أن تقدم نموذجًا متماسكًا يحل مكانها. والنتيجة عالم يموج بالتساؤلات: هل “مجلس السلام” وأمثاله سيكونون أعمدة نظام جديد أم فقاعات عابرة؟ هل يصبح “نظام الصفقات” العابر للأطلسي قاعدة مستدامة أم مجرد مرحلة انتقالية فوضوية؟ حتى الآن، يميل الترجيح نحو الثانية؛ فالكثير من مبادرات الإدارة الحالية تشبه مشاريع شخصية مؤقتة أكثر من مؤسسات راسخة طويلة الأمد.
في المقابل، الفراغ المحتمل يتوسع في مجالات متعددة. الفراغ في الشرعية والقواعد: إذا لم تعد الأمم المتحدة مرجعية فاعلة، ستبرز الحاجة لمن يسد هذه الفجوة في شرعنة الحلول الدولية. هنا قد نرى دورًا أكبر للقوى الوسطى المنسقة (مثلما دعا كارني رئيس وزراء كندا لتكتل “القوى المتوسطة”) أو لمنظمات إقليمية بديلة (كالاتحاد الأوروبي يحاول لعب دور أكبر في معايير التجارة والبيئة لتعويض الشلل العالمي).
وهناك الفراغ في القيادة الأمنية: تراجع الثقة بالضمانة الأمريكية يعني أن دولًا مثل ألمانيا واليابان وربما دول الخليج قد تسعى لقفزات تسليحية تملأ قدرًا من الفراغ بنفسها، وهذا سلاح ذو حدين، فقد يردع العدوان لكنه أيضًا قد يطلق سباق تسلح إقليميًا جديدًا. ولا ننسى الفراغ القيمي: نظام ما بعد الحرب العالمية وضع مبادئ، كعدم جواز اكتساب الأرض بالقوة واحترام حقوق الإنسان. هذه المبادئ أصيبت في مقتل (باحتلال أراضي أوكرانيا مثلاً دون عقاب قاطع، وبعودة التعذيب والعقوبات الجماعية أدوات سياسة). إن لم يتحرك طرف لرفع راية هذه القيم عالميًا، فقد تبقى مهملة إلى أن تجد قوة أخرى تتبناها، وربما قوة ناشئة غير ديمقراطية ستطرح قيمًا مغايرة. وهذا أخطر فراغ فكري ممكن.
مَن الأقدر على ملء الفراغ؟ الإجابة المتوقعة: الصين مرشح قوي، لكن بطريقتها الخاصة؛ تدريجية ومرتكزة على الاقتصاد. روسيا تحاول إقليمياً ولكن ضعف أساساتها الاقتصادية والعزل يحدّها عالميًا. الاتحاد الأوروبي لديه الإمكانات المادية والقيمية، لكن تنقصه الوحدة السياسية والعسكرية لأداء دور القائد. القوى الإقليمية الأخرى كالهند والبرازيل ستؤدي أدوارًا أكبر في مناطقها وربما كأثقال موازنة ضمن أي ترتيب متعدد الأطراف، لكنها ليست جاهزة بعد لتولي زمام قيادة النظام العالمي.
يبقى سيناريو أن تستدرك واشنطن نفسها – بتغير في القيادة أو النهج – فتبادر لسد فراغاتها التي صنعتها قبل أن يفوت الأوان. مثلاً، قد نشهد في الأعوام المقبلة مبادرة أمريكية لإصلاح الأمم المتحدة بدلًا من تجاهلها، أو إحياء اتفاقات تجارية/مناخية متعددة بشروط أكثر عدلاً بدل الانسحاب منها. هذا يتطلب رؤية إستراتيجية تضع حدودًا للقوة وتستخدمها بذكاء مع الآخرين، رؤية غائبة حاليًا.
حين سُئل هنري كيسنجر (الداهية المخضرم) عن الفارق بين قيادة أمريكا اليوم وفي عصره، قال بحسرة: “كنا نعرف الوجهة وإن اختلفنا في الوسيلة؛ الآن لا الوجهة ولا الوسيلة واضحة”. العالم يعيش حقبة “بين العصور”: نظام قديم يتفكك وآخر جديد لم يُولد بعد. وفي هذه الحقبة، الفعل المرتجل قد يكون أخطر من التقاعس لأنه يخلط الأوراق دون تقديم بديل. من ينجو خلال هذه الفوضى المرحلية – بأقل الخسائر وبالتقاط الفرص – سيحدد موقعه في النظام القادم.
ختامًا، يبدو أن الشرعية الدولية يعاد تشكيلها الآن على أسس اختبار القوة والصفقات. وإن لم تتدارك القوى الدولية الفاعلة الأمر بوضع ضوابط جديدة مقبولة للجميع، فقد نجد أنفسنا أمام فراغ شرعي ملأته مؤقتًا القوة العارية، ولكنه لا يستطيع الاستمرار دون أرضية. في التاريخ عبرة: القوة يمكن أن تفتح ثغرات، لكنها لا تبني نظامًا مستدامًا وحدها. على واشنطن – إن أرادت تجنب مصير الإمبراطوريات الآفلة – صياغة رؤية تجمع بين مصالحها ومصالح الآخرين ضمن إطار شرعي جديد، وإلا فإن الآخرين حتمًا سيملؤون الفراغ بطريقتهم، وعندها ستجد أمريكا نفسها غريبة عن نظام ليست هي من يكتبه.
المراجع المختارة:
مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، “نظام ترامب العالمي: عودة إلى ما قبل الحرب العالمية” بقلم بين ستايل – 15 يناير 2026.
بروكنجز – كارين دونفريد وآخرون، “تحليل استراتيجية الأمن القومي 2025: تحول نحو نصف الكرة الغربي وتراجع القانون الدولي” – ديسمبر 2025.
رويترز – ماريا تشينغ، “خطاب كارني في دافوس يهز الثقة: الكنديون يلتفون حول رئيس وزرائهم وسط هجمات ترامب” – 22 يناير 2026.
الأمم المتحدة – بيان صحفي “مجلس الأمن يقر إطار دعم غزة: ترحيب مبدئي بخطة مجلس السلام” – 17 نوفمبر 2025.
ويكيبيديا (بالإنجليزية)، “مجلس السلام – BoardofPeace” – آخر تحديث 21 يناير 2026.
مؤسسة روبرت شومان – ماكسيم لوفيفر، “الأوروبيون وترامب: الإذلال أم الفاعلية؟” – ورقة سياسات رقم 804 – 30 سبتمبر 2025.
المجلس الأطلسي – دانييل فرايد، “منع كارثة في غرينلاند: كيف يتجنب الناتو الكارثة ويخرج أقوى” – 17 يناير 2026.
كارنيغي للسلام – ستيفن ورتهايم، “إمبريالية ترامب العارية: الحلفاء يواجهون الإكراه الأمريكي” – 21 يناير 2026.
معهد الدراسات الدولية والإستراتيجية (CSIS) – هيذر كونلي، “الانسحاب الأمريكي من الوكالات الدولية: التداعيات” – 7 يناير 2025.
مجلس العلاقات الخارجية – مارييل فرّاغامو وديانا روي، “كم تموّل الولايات المتحدة الأمم المتحدة؟” – 25 سبتمبر 2025.
وكالة بلومبرغ – تقرير, “مساعي إدارة ترامب لبديل أممي: هل يحل مجلس السلام محل الأمم المتحدة؟” – نوفمبر 2025.
صحيفة لوموند (بالفرنسية)، “مجلس سلام ترامب: أربع أسئلة حول منافس الأمم المتحدة” – 21 يناير 2026.
وكالة رويترز – أدريان واغنر، “كارني: نظام قديم انتهى… الوسطاء يجب أن يحتموا بأنفسهم” – 20 يناير 2026.
صحيفة الغارديان، “ترامب يهدد أوروبا بالرسوم: فرنسا تتوعد وتعتبر مجلسه تقويضًا للأمم المتحدة” – 18 يناير 2026.
مجلة فورين بوليسي – كاميرون عبادي وآدم توز، “هل تواجه أمريكا أزمة دين؟ تأثير سياسات ترامب المالية” – 12 مارس 2025.
1447-09-25